عند الله باستعظام ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث منه الشوق الى الانصاف (بالكف عن الشهوات بحسب الامكان) والطاقة (فانهم منزهون عن الشهوات) فان لم يمكن كما له فينبعث الشوق الى القدر الممكن منه لا محالة ولا يحلو عن الشوق الا لاحد أمرين اما لضعف المعرفة اليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال واما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر مستغرقا به والتلميذ اذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه الى التشبه والاقتداء به الا اذا كان ممنوعا بالجوع مثلا فان الاستغراق بشوق القوت وبما يمنع انبعاث شوق العلم ولهذا ينبغى أن يكون الناظر في صفات الله تعالى خاليا بقلبه عن ارادة ما سوى الله تعالى فان المعرفة بذر الشوق ولكن مهما صادف قلبا خاليا عن حيكة الشهوات فان لم يكن خاليا لم يكن صغيرا منجحا , والثالث السعى في اكتساب الممكن من تلك الصفة والتخلق والتحلى بمحاسنها وبه يصير العبد ربانيا رفيقا للملأ الاعلى من الملائكة وطلب القرب من الله بالصفة أمرغامض تكاد تشمئز القلوب من قبوله والتصديق به فاعلم أن الموجودات منقسمة الى كاملة وناقصة فالكامل أشرف من الناقص و مهما تفاوتت درجات الكمال واقتصر منتهى الكمال على واحد لم يكن الكمال المطلق الاله ولم يكن للوجودات الاخرى كمال مطلق بل كانت لها كمالات متفاوتة باضافة فاكلها أقرب لا محالة الى الذى له الكمال المطلق بالمرتبة والدرجة ثم الوجودات منقسمة الى حية وميتة و تعلم أن الحى أشرف و أكمل من الميت و ان درجات الاحياء ثلاث درجات درجة الملائكة ودرجة الانس ودرجة البهائم (و للانسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ورتبة دون مرتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه و كونه مبتلى بمجاهدتها) اذ درجته متوسطة بين الدرجتين فكانه مركب من بهيمية وملكية والاغلب في بداية أمره البهيمية اذ ليس له أولا من الادارك الا الحواس التى يحتاج في الادراك بها الى طلب القرب من المحسوس بالسعى والحركة الى أن يشرق عليه بالآخرة نور العقل المتصرف في ملكوت السموات والارض من غير حاجة الى حركة وطلب قرب أو مماسته مع المدرك له بل مدركه الامور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان وكذلك المستولى عليه أولا شهوته و غضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه الى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة و عصيان مقتضى الشهوة والغضب (فكلما انهمك في الشهوات انحط الى أسفل سافلين والتحقق بغمار البهائم) و درجة البهائم أسفل في نفس الحياة التى بها شرفها و في ادراكها نقص أما ادراكها فنقصانه انه مقصور على الحواس وادراك الحس قاصر لانه لا يدرك الاشياء الا بمماسة أو بقرب منها فالحس معزول عن الادراك ان لم يكن مماسة ولا قرب واما فعا فهو انه مقصور على مقتضى الشهوة والغضب لا باعث لها سواهما وليس لها عقل يدعو الى افعال مخالفة بمقتضى الشهوة والغضب (و كلما تقع الشهوات ارتفع الى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة) وانما كانت درجة الملائكة أعلى لانها عبارة عن موجود لا يؤثر القرب و البعد في ادراكه بل لا يقتصر على ما يتصور فيه القرب والبعد اذ القرب و البعد يتصور على الاجسام والاجسام أخس أقسام الموجودات (والملائكة مقربون من الله تعالى) ومقدسون عن الشهوة والغضب فليست أفعالهم بمقتضى الشهوة بل داعون الى طلب القرب من الله تعالى (والذى يقتدى بهم ويتشبه باخلاقهم يقرب من الله كفر بهم) أى من يضرب الى شبه من صفاتهم ينل شيأ من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم الى الحق تعالى وبيان ذلك انه ان غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا من تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة وكذا ان عظم نفسه من الجمود والخيالات والمحسوسات وانس بالادراك عن أمور تجل من أن ينالها حس أو خيال أخذ شبها آخر من الملائكة فان خاصية الحياة الادارك والفعل واليهما يتطرق النقصان والتوسط والكمال ومهما اقتدى بهم في هاتين الخاصتين كان ابعد من البهيمية وأقرب من الملكية (فان الشبيه بالقريب قريب) وان شئت قلت الملك قريب من الله تعالى والقريب من القريب قريب