اليوم فان الايام يفتخر بعضها على بعض بما يوقع العبد فيها من الاعمال للقربة الى الله من حيث انها ظرف له فيريد العبد الصالح ان يجعل لكل يوم من أيام الجمعة وأيام الشهر وأيام السنة جميع مايقدر عليه من أفعال البر حتى يحمده كل يوم ويتجمل به عند الله ويشهد له فاذا لم يقدر في اليوم الواحد ان يجمع جميع الخيرات فيعمل فيه ما قدر عليه فاذا عاد عليه من الجمعة الاخرى عمل فيه ما فاته في الجمعة الاولى حتى يستوى فيه جميع الخيرات التي يقدر عليها وهكذا في أيام الشهر وأيام السنة * واعلم ان الشهور تتفاضل أيامها بحسب ما تنسب اليه كما تتفاضل ساعات النهار والليل بحسب ما تنسب اليه فيأخذ الليل من النهار من ساعاته وياخذ النهار من الليل والتوقيت من حيث حركة اليوم الذي يعم الليل والنهار كذلك أيام الشهور تتعين بقطع الدراري في منازل الفلك الاقصى لا في الكواكب الثابتة التي تسمى في العرف منازل القمر فللقمر أيام معلومة في قطع الفلك ولعطارد أيام أخر وللزهرة كذلك وللشمس كذلك وللمريخ كذلك وللمشترى كذلك فينبغي للعبد ان يراعي هذا كله في أعماله فان له من العمر بحيث ان يفي بذلك فان أكبر هذه الشهور ولا يكون أكبر الاعمار من نحو ثلاثين سنة لا غير وأما شهورا لكواكب الثابتة في قطعها في فلك البروج فلا يحتاج اليه لان الاعمار تقتصر عن ذلك (والفقيه) المتبصر (بدقائق الباطن) واسراره (ينظر الى أحواله) التي أقامه الله فيها (فقد يقتضي حاله دوام الصوم) في الايام كلها وقد يقتضي المواصلة فيه على رأي من يقول ان النهي عن الوصال نهي تنزيه وهو مشهد العارفين بالله تعالى لانهم قالوا انما راعى صلى الله عليه وسلم الشفقة والرحمة في ذلك بظاهر الناس ولو كان حراما ما واصل بهم صلى الله عليه وسلم وقد ورد انه صلى الله عليه وسلم قال ان هذا الدين متين فاوغل فيه برفق وقال لن يشاد هذا الدين أحد الاغلبه وخرج مسلم عن أنس قال واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم وقد يقتضي حاله المواصلة حتى السحر في كل يوم فتدخل الليلة في الصوم كل ليلة ويكون حد السحر لفطرها كحد الغروب للنهار في حق من لا يواصل وأخرجه البخاري عن أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم قال أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر (وقد يقتضي) حاله (دوام الفطر) في الأيام كلها ماعدا رمضان (وقد يقتضي مزج الافطار بالصوم) اما بصوم يوم وافطار يوم كصوم داود عليه السلام أو بصوم يومين وفطر يوم كما هو صوم مريم عليها السلام أو بصوم ثلاثة في كل أسبوع وللسالكين في ذلك طرائق مختلفة قال صاحب العوارف كان سهل بن عبد الله التستري يأكل في كل خمسة عشر يوما وفي رمضان يأكل أكلة واحدة ويفطر كل ليلة بالماء القراح للسنة وحكي عن الجنيدر رحمه الله انه كان يصوم على الدوام فاذا دخل عليه اخوانه أفطر معهم ويقول ليس فضل المساعدة مع الاخوان بأقل من فضل الصوم ثم قال ان هذا الافطار يحتاج الى علم فقد يكون الداعي الى ذلك شره النفس لانية الموافقة وتخليصي النية بمحض الموافقة مع وجود شر النفس صعب قال وسمعت شيخنا يعني أبا النجيب يقول لي سنين ما أكلت شيأ بشهوة نفس ابتداء واستدعاء بل يقدم الى الشئ فارى فضل الله ونعمته وفعله فاوافق الحق في فعله ورأيت أبا السعود بن شبل يتناول الطعام في اليوم مرات أي وقت أحضر أكل منه ويرى ان تناوله موافقة الحق عز وجل لان حاله مع الله تعالى كان ترك الاختيار في جميع تصاريفه والوقوف مع فعل الحق وقد كان له في ذلك بداية يعز مثلها حتى لقد كان يبقى أياما لا يأكل ولا يعلم أحد بحاله ولا يتصرف هو لنفسه ولا يتسبب الى تناول شئ وينتظر فعل الحق بسياقه الرزق اليه ولم يشعر أحد بحاله مدة من الزمان ثم ان الله تعالى أظهر حاله وأقام له الاصحاب وكانوا يتكلفون الاطعمة ويأتون بها اليه وهو يرى في ذلك فعل الحق والموافقة سمعته يقول أصبح كل يوم وأحب ما الي الصوم وينقض الحق على محبتي للصوم بفعله فاوافق الحق في فعله وحكى عن بعض الصادقين من أهل واسط انه صام سنين كثيرة وكان يفطر كل يوم قبل غروب الشمس الا في رمضان / الهامش: والفقيه بدقائق الباطن ينظر الى أحواله فقد يقتضي حاله دوام الصوم وقد يقتضي دوام الفطر وقد يقتضي مزج الافطار بالصوم