بقصد البيت والنظر اليه استحقت رب البيت بحكم الوعد الكريم فالحج المبرور ليس له جزاء الى الجنة وفيها تقع المشاهدة اذ هى دار المشاهدة واللقاء يروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه خرج فراى ركبا فقال من الركب فقالوا احاجين قال انهزكم غيره ثلاث مرات قالوا لا قال لو يعلم الركب بمن اناخوا لقرت اعينهم بالفضل بعد المغفرة والشوق الى الله عز وجل يسوقها الى اسباب اللقاء لا محاله ففى الصحيحين عن انس مرفوعا من احب لقاء الله احب الله لقاءه هذا مع ان المحب يشتاق الى كل ماله الى محبوبه اضافة ونسبة ولو من بعيد والبيت مضاف الى الله تعالى فبالحرى اى باللائق ان يشتاق اليه في كل مرة بمجرد هذه الاضافة فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل بل ربما يقطع نظره عن تامل ذلك واما العزم فليعلم انه بعزمه الحازم قاصد الى مفارقه كل مالوف من الاهل والوطن والاحباب والمسكن ومهاجرة الشهوات النفيسة واللذات الحسية حالة كونة متوجها الى زيارة بيت الله تعالى فاذا تحقق عنده هذا العزم فليعظم في نفسه قدر البيت لقدر رب البيت وتعظيمه ينشا عن تعظيم من اضافه الى نفسه وليعلم انه عزم على امر عظيم رفيع شانه اى مرتفع بين الشئون خطير امره اى عظيم الخطر وان من طلب عظيما في نفسه خاطر بعظيم ما عنده وحينئذ تهون عليه المصائب والشدائد في البدن والمال وليجعل عزمه خالصا لله عز وجل من شوائب الرياء والسمعه فقد روى سعيد بن منصور عن عمر رضى الله عنه من اتى هذا البيت لا يريد الا اياه وطاف طوافا كان من ذنوبه كيوم ولدته امه وفى روايه لا ينهزه غير صلاه فيه رجع كما ولدته امه وليتحقق انه لا يقبل من قصده وعمله الا الخالص لوجه الله تعالى عما ذكر فالاتيان الى البيت مشروط بالاخلاص وتصحيح القصد كما دل عليه قول عمر وهو اهم ما يشترط فيه فان من افحش الفواحش ان يقصد بيت الملك وحرمه والمقصود منه غيره فليصحح مع نفسه العزم وتصحيحة وتصفيته باخلاصه واخلاصه باجتناب كل ما فيه رياء وسمعة وغيرهما من الاوصاف الزميمة كما دلت عليه الاخبار وتقدم حديث انس في اعلام من ياتى في اخر الزمان يحج للرياء والسمعة وليحزر ان يستبدل الذى هو ادنى بالذى هو خير فيقع في مقت وطرد وخسران واما تطلع العلائق فعناه رد المظالم الى اهلها والتنصل عنها والتوبه المحضة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصى والمخالفات فان كل مظلمة علاقه لازمة لا تنفك وكل علاقة مثل غريم حاضر متعلق بتلابيبه جمع لبب محركه على غير قياس وهو من سيور السرج ما يقع على اللبه اى المنحر ولببه تلبيبا اخذه بمجامعه ينادى عليه ويقول له الى اين تتوجه اتقصد بيت ملك الملوك وانت مضيع امره في نزلك هذا ومستهين به ومهمل له بارتكاب منهياته ومحظوراته ومخالفة ماموراته اولا تستحى من ان تقدم عليه قدوم المعاصى الشارد فيردك ولا يقبلك فان كنت راغبا في قبول زيارتك اياه فنفذ اوامره وانته عن مخالفته ورد المظالم لاهلها وتب اليه اولا من جميع المعاصى حسب الطاقة واقطع علاقة قلبك عن الالتفات الى ما ورائك من الاهل والمال والولد لتكون متوجها اليه بوجه قلبك كما انك متوجه الى بيته بوجه ظاهرك فيجتمع قلب الباطن وقلب الظاهر ويكون كل منهما بشرط الاخلاص والتجرد فان لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك اولا ومكابدتك للاهوال في البوادى الا النصب اى التعب والشقاء اخرا الا الطرد عن الحضرات والرد عن وجه المقصود وليقطع العلائق عن تعلقات وطنه قطع من انقطع عنه لم يبقى له به ما يتاسف عليه وقدر في نفسه انه لا يعود اليه وليكتب وصيته الشرعية لاهله واولاده