دعاهم الله الى هذا الموقف للوقوف بين يديه الا تذكرة لقيام الناس يوم القيامة لرب العالمين ويتميز الفرق بعضهم من بعض بسيماهم وان اتيان الله لهم في هذا الموقف اتيان مغفرة ورحمة وفضل وانعام ينال ذلك الفضل الالهى في هذا اليوم من هو اهله يعنى المحرمين بالحج ومن ليس من أهله ممن شاركهم في الوقوف والحضور في ذلك اليوم وليس بحاج كالجليس مع القوم الذين لا يشقى جليسهم فتعمهم مغفرة الله ورضوانه (فاذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم) باخلاصها وتمحيضها (وارتفعت الى الله سبحانه أيديهم وامتدت اليه اعناقهم وشخصت نحو السماء) الذى هو قبلة الدعاء (أبصارهم) فرآهم في شئونهم سكارى هائمين نشاوى سارحين (مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة) والعفو والغفران (فلا تظنن انه) سبحانه (يخيب أملهم) الذى املوه (ويضيع سعيهم) الذى اعتوروه (ويدخر عنهم رحمة) واسعة (تغمرهم) اى تعمهم (ولذلك قيل ان من اعظم الذنوب ان يحضر عرفات ويظن ان الله لم يغفر له) كما روى ذلك من طريق اهل البيت وتقدم الكلام عليه آنفا (وكان اجتماع الهمم) المختلفة (والاستظهار بمجاورة الابدال والاوتاد) وارباب القلوب الصالحين (والمجتمعين من اقطار البلاد) الشاسعة (هو سر الحج وغاية مقصوده) وفى بعض النسخ وغايته ومقصوده (فلا طريق الى استدرار رحمة الله سبحانه وتعالى) اى استجلابها (مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد) ومن هنا قال العارفون اذا قرئت سورة يس في جوف الليل الذى هو الثلث الاخير لاى حاجة قضيت مع الاخلاص لانه اجتمعت فيه ثلاثة قلوب قلب الداعى وقلب القرآن وقلب الليل فاذا كان هذا في قلوب ثلاثة فما بال آلاف من القلوب مع شرف الموقف وهو سر جليل (وأما رمى الجمار) الثلاث (فليقصد به الانقياد للامر) الالهى (اظهارا للرق والعبودية) التى هى اصل وصفه (وانتهاضا لمجرد الامتثال) لاوامر الله ورسوله (من غير حظ) معقول (للعقل والنفس في ذلك) لما سبق انه أمر تعبدى لا مدخل فيه للعقل والنفس وانما هو مجرد اتباع ولا شك ان من ترك شيئا من اتباع الرسول فانه ينقص من محبة الله اياه على قدر ما نقص من اتباع الرسول وكذب نفسه في محبته لله بعدم تمام الاتباع وعند اهل الله لو اتبعه في جميع اموره وأخل بالاتباع في أمر واحد ما اتبعه قط وانما اتبع هوى نفسه لا هو مع ارتفاع الاعذار الموجبة لعدم الاتباع هذا مقرر عندهم فلا ينبغى التساهل فيه ولقد حكى القطب الشعرانى قدس سره في بعض كتبه أنه اجتمع به رجل من أعيان المالكية كأنه الشريف التاجورى فلما أراد النهوض قال له الشيخ هلم نقرأ الفاتحة فقال الرجل لم يثبت عندى في ذلك شىء من السنة فقال في نفسه ولا على من ذلك فقراءة الفاتحة كلها بركة وخير فرأى النبى صلى الله عليه وسلم في المنام وعاتبه على ذلك وأمره بمطالعة كتب المالكية وقد ذكر الشيخ الا كبر قدي سره في ذلك حكاية عن القطب أبى يزيد البسطامى قدس سره قال كنت أعمل على الاتباع وان حرمة الشريعة قائمة عندى ليس لى في ذلك الاتباع والمبادرة اليه هوى نفس فقالت لى والدتى في ليلة باردة اسقنى ماء يا ابا يزيد فوجدت لقيامى الى ما التمسته منى من الماء ثقلا وكراهة لشدة البرد فابطأت للتثاقل الذى وجدت ثم جئت بالكوز فوجدتها قد سارع اليها النوم ونامت فوقفت بالكوز على رأسها حتى استيقظت فناولتها الكوز وقد بقيت في أذن الكوز قطعة من جلد اصبعى لشدة البرد انقرضت فقامت الوالدة لذلك ورجعت الى نفسى وقلت لها حبط عملك في كونك كنت تدعى في نشاطك للعبادات والاتباع من محبتك لله فانه ما كلفك ولا ندبك وأوجب عليك الا ما هو محبوب له وكل ما يأمر به المحبوب عند المحب محبوب ومما أمرك الله به يا نفسى البر بوالدتك والاحسان اليها والمحب يفرح ويبادر لما يحبه حبيبه ورأيتك قد تكاسلت وتثاقلت وصعب عليك أمر الوالدة حين طلبت الماء فقمت بكسل وكراهية