الصفحة 145 من 5957

المخالفين لمعتقد الاشاعرة وهم الحنابلة والمعتزلة فإنهم أنكروا الكلام النفسي وقالوا ليس الكلام مشتركا بين العبارة ومدلولها بل الكلام هو الحروف المسموعة فهو حقيقة فيها مجاز في مدلولها فقال رادا عليهم متعجبا منهم بقوله (وكيف التبس هذا) أى كيف خفي أمره (على طائفة من الاغبياء) جمع غبى وهو الفدم الذى لا يدرى شيأ وأصل الغباوة الغفلة والجهل وتركيبها يؤذن بالخفاء ومنه قوله الشاعر

وإذا خفيت على الغبى فعاذر * أن لا ترانى مقلة عمياء (ولم يلتبس) ذلك (علي جهلة الشعراء) جمع جاهل والمراد به الاخطل كما وقع التصريح بذلك في أكثر كتب الاشاعرة والماتريدية وأوله لا يعجبنك من أمير خطبة * حتي يكون مع الكلام أصيلا (إن الكلام لفي الفؤاد وانما * جعل اللسان علي الفؤاد دليلا) وقد أنكره العلاء المرداوى من الحنابلة في شرح تحرير الاصول وقال هو موضوع علي الاخطل وليس متوفى نسخ ديوانه وإنما هو لابن صمصام ولفظه ان البيان اهـ وقد استرسل بعض علمائنا من الذين له تقدم ووجاهة وهو علي بن علي بن محمد بن الغزى الحنفى فقال في شرح عقيدة لامام أبي جعفر الطحاوى ما نصه وامامن قال انه معنى واحد واستدل بقول الاخطل المذكور فاستدلال فاسدولوا استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا هذا خبر واحد ويكون ممااتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به فكيف وهذا البيت قد قيل انه مصنوع منسوب الى الاخطل وليس هو في ديوانه وقيل انما قال ان البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب الى الصحة وعلي تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به فان النصارى قد ضلوا في معنى الكلام وزعموا ان عيسى عليه السلام نفس كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت أى شئ من الاله بشئ من الناس فيستدل بقول نصرانى قد ضل في معنى الكلام عن معنى الكلام ويترك ما يعلم من معني الكلام في لغة العرب وأيضا فمعناه غير صحيح إذلازمه ان الاخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه وان لم ينطق به ولم يسمع وهذا معنى عجيب وهو ان هذا القول له شبه قوى بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت ا هـ الخ ولما تأملته حق التأمل وجدته كلاما مخالفا لاصول مذهب امامه وهو في الحقيقة كالرد علي أئمة السنة كأنه تكلم بلسان المخالفين وجازف وتجاوز عن الحدود حتى شبه قول أهل السنة بقول النصارى فليتنبه لذلك ثم تحامل المصنف عليهم بقوله (ومن لم يعظه عقله) أى الكامل (ولانهاه نهاء) بالضم جمع نهية وهي العقل لكونه ينهي عن القبيح ومن ذلك قوله تعالى ان في ذلك لآيات لأولى النهى وبين نهاه ونهاء جناس تام مع الاشتقاق (عن أن يقول لسانى) الذى أنطق به (حادث ولكن) العرض القائم به وهو (ما يحدث فيه) أى ينشأ فيه (بقدرتي الحادثة) هو (قديم) قائم بالذات ولم يفهم ان الاجسام التي لها أول اذا جعلت علي كيفية مخصوصة صارت قديمة (فاقطع عن عقله) أى عن رجوعه الى عقله و التدبر في الحق الصريح وفى بعض النسخ عن فهمه (طمعك) أى رجاءك في رجوعه الى ما تقرره بل (وكف) أى امنع (عن خطابه) ومذاكرته (لسانك) فقد رسخ في ذهنه ما تخيله فلا ينفك عنه اذ صار له ذلك كالطبع والجبلة فازالة ذلك عسر جدا ثم لما كان من مذهب المخالفين القول بقدوم الحروف والاصوات وانها قائمة بذات الحق سبحانه أشار بالرد عليهم بقوله (ومن لم يفهم أن القديم عبارة عماليس قبل كل شئ) والمحدث مالم يكن فكان (وان الباء) الموحدة (قبل) حرف (السين) المهملة (في قولك بسم الله) الرحمن الرحيم ونحوه من الالفاظ المنتظمة الحروف يحس فيها بعدم الحرف الثاني من الكلمة قبل تمام التلفظ بالاول (فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديما) لكونه مسبوقا بالباء وهذا مكابرة للحس وخروج عن مقتضيات العقول المحيلة (فنزه عن الالتفات اليه قلبك) أى ابعده عنه ولا تخالط به فان شيطانه المريد لا يسمع التفنيد وبمعاشرته يكثر اللجاج والمراء ويترتب عليهما فساد النظام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت