فى المسئلة التى ألف فيها شيخنا صفى الدين القشاشى وبالغ في ايضاحها وتعددت تآليفه فيها وهى مسئلة كسب العبد ونسبة فعل العبد اليه والى قدرة الرب فقد انتصر الشيخ في ذلك للقولة المنسوبة لامام الحرمين وتأولها على مالا ينافى مذاهب أهل الحق وتشهد له بصائر أهل الكشف وتعضده شواهد الآيات ومعانى الاخبار الصحيحة ومافعل رضى الله عنه من تأويلها وتبين معناها على حسب ماظهر وان كان فيه غموض على أفهام كثير من الناس أولى ممافعله كثير من المشايخ ببطلانها والتشنيع على الامام وعلى من نسبها اليه وأنكروا وجودها في كتبه وذلك قصور منهم فانها قولة صحت عن الامام في رسالته النظامية التى هى من آخر مؤلفاته ولذلك لم يتردد المتقدمون بنسبتها اليه لاحاطتهم بأخبار الامام ومطالعتهم لكتبه ولمالم تشتهر هذه المسئلة لتأخرها كاشتهار الارشاد وغيره لم تبلغ الى بعض المتأخرين فانكر وجود القولة المشهورة في شئ من كتب الامام وظن انها مفتعلة عليه أوصدرت منه في مجلس المناظرة على وجه المعارضة أوارخاء العنان لى غير ذلك ممالايعد مذهبا لقائله وقدبالغ شيخنا في ايضاحها والاستشهاد في رسائله الثلاث وكذلك تلميذه السابق ذكره بالغ في بيانها وكشفها ومع ذلك لم تخل عن غموض ولم تتضح كل الوضوح ولاغر واذهى من معضلات المسائل التى حارت فيها أفكار المتقدمين ولم تحصل على طائل في تحقيق معناها آراء المتأخرين فقصارى أمرهم فيها اعتقاد انفراد الرب تعالى بالخلق والاختراع واعتقادات للعبد في أفعاله الاختيارية كسبابه صح نسبة الافعال اليه وبه ثبت التكليف وعليه ترتب الثواب والعقاب وهذا معتقد جميع أهل السنة وهو الحق الذى لامحيص عنه ولكنه اذا ضويقوا في تحقيق معنى هذا الاكتساب وتبيينه تباينت آراؤهم بين مائل الى مايقرب من الجبر ومائل الى مايقرب من القدر وأهل السنة لايقولون بواحد منهما فقدقال السعد في شرح العقائد بعد ماذكر كلاما في معنى الكسب مانصه وهذا القدر من المعنى ضرورى اذلم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى وايجاده مع ماللعبد فيه من القدرة والاختيار فاذا علم أن فحول أهل السنة قدعجزوا عن تحقيق معناه مع تظاهرهم وتظافر معتقداتهم على نفى الجبر والاستقلال فلاينبغى المبادرة الى التشنيع والانكار على من أحدث قولا في المسئلة بفهم آتاه الله تعالى اياه أوانتصر الى قول من الاقوال المقولة فيها لاهل السنة بدلائل بينها الحق له وبصيرة انارتها الهداية الالهية مادام لم ينقض بصحة أحد القولين المتفق على بطلانهما عند أهل الحق وهما الجبر والاستقلال لان ذلك هو المعيار الصادق فمادام العبد يعتقد في المسئلة معتقدا ليس بجبر ولااستقلال فهو على الجادة وان عجز عن تحقيقه اذ لانكلف بادراك الكنه في كثير من المسائل الاعتقادية وانما المكلف به فيها هو اعتقاد الثبوت والوجود فقط وهذه المسئلة أعنى مسئلة الكسب ليست من المسائل التى يستحيل فيها ادراك الكنه حتى نحكم بتضليل من ادعى ادراك كنهه وحقيقته بل لغموضه وخفائه لم نكلف بمعرفة حقيقته بل باعتقاد ثبوته ووجوده وان للعبد كسبابه نيط التكليف يوجد بوجوده مع استكمال الشرائط وينتفى بانتفائه لان من لم يعتقد ذلك وقع لامحالة في أحد أمرين محالين وغاية مانقول في الكسب هو صفة من صفات العبد يحس كل احد بوجودها فيه وثبوتها في محله فيها يفرق بين أفعاله الاختيارية والضرورية ولكنه لايدرى حقيقتها ولايحقق قبل التحقيق نسبة أفعاله اليها مع اعتقاد انفراد الله تعالى بخلق العبد وخلق أفعاله غير مفتقر الى معنى واعتقاد أن لكسب العبد دخلا في وجود أفعاله على وجه لايضايق فيه القدرة الالهية ولايزاحمها ولايعينها ولكن عجزنا عن ادراك ذلك على وجهه ومن آتاه الله فهما وعلما ونورا فأدرك حقيقة ذلك كما يدرك العارفون بالله حقائق أشياء كثيرة من عالم الغيب والشهادة قدعجز عن ادراكها أكثر الخلق فلاينبغى الاسراع الى الانكار عليه ولاالتشنيع عليه اذلم يدع محالا فالاولى التسليم له سيما ان كان