فقالت المعتزلة نعم يجزم العقل بثبوت حكم الله تعالى في الفعل بالمنع على وجه ينتهض سببا للعقاب اذا أدرك قبحه وبثبوت حمه تعالى فيه بالايجاب له والثواب بفعله والعقاب بتركه اذا أدرك حسنه على وجه يستلزم تركه قبحا كشكر المنعم بناء منهم على أن للفعل في نفسه حسنا وقبحا ذاتيين أى تقتضيهما ذات الفعل كما ذهب اليه قدماؤهم أولاجل صفة فيه حقيقة توجبهاله كماذهب اليه الجبائية وبانه قديستقل بدركهما العقل فيعلم حكم الله تعالى باعتبارهما فيه وقدلايستقل فلايحكم فيه بشئ حتى يرد الشرع وقالت الاشاعرة قاطبة ليس للعقل نفسه حسن وقبح ذاتيان ولالصفة توجبهما وانما وردالشرع باطلاقه وقبحه وروده بحظره واذا ورد بذلك حسناه اوقبحناه بهذا المعنى فحاله بعدورود الشرع بالنسبة الى الوصفين كحاله قبل وروده فلايجب قبل البعثة شئ لاأيمان ولاغيره ولايحرم كفر وقالت الحنفية قاطبة بثبوت الحسن والقبح للعقل على الوجه الذى قالته المعتزلة ثم اتفقوا على نفى مابنته المعتزلة على اثبات الحسن والقبح للفعل من القول بوجوب الاصلح ووجوب الرزق والثواب على الطاعة والعوض في ايلام الاطفال والبهائم والعقاب بالمعاصى ان مات بلاتوبة بناء على منع كون مقابلاتها خلاف الحكمة بل قالوا ماورد به السمع من وعد الرزق والثواب على الطاعة وألم المؤمن والطفل حتى الشوكة يشاكها محض فضل وتطول منه لابد من وجوده لوعده ومالم يرد به سمع كتعويض البهائم على آلامها نحكم بوقوعه وان جوزناه عقلا ولااعلم أحدا منهم جوز عقلا تكليف مالايطاق فهم في هذا مخالفون للاشعرية ومع القول بالحسن والقبح العقليين اختلفوا هل يترتب على العلم بثبوت أحدهما أن يعلم حكم الله في ذلك الفعل تكليفى فقال الاستاذ أبومنصور الماتريدى وعامة مشايخ سمرقند نعم يعلم على هذا الوجه وجوب الايمان بالله وتعظيمه وحرمة نسبة ماهو شنيع اليه تعالى كالكذب والسفه ووجوب تصديق النبى وهو معنى شكر المنعم وروى الحاكم الشهيد في المنتقى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه قال لاعذر لاحد في الجهل بخالقه لمايرى من خلق السموات والارض وخلق نفسه وسائر مخلوقاته وعنه أيضا لولم يبعث الله رسولا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم ونقل هؤلاء مذهب المعتزلة على خلاف المهيع الاول قالوا العقل عندهم اذا أدرك الحسن والقبيح يوجب بنفسه على الله وعلى العباد مقتضاهما وعندنا معشر الحنفية الموجب لمقتضى الحسن والقبح هو الله تعالى يوجبه على عباده ولايجب عليه شئ باتفاق أهل السنة والعقل عندنا آلة يعرف به ذلك الحكم بواسطة أن يطلعه الله على الحسن والقبح الكائنين في الفعل واذالم يوجب العقل ذلك لم يبق دليل على الحكم للافعال من ذلك وغيره الاالسمع وقدقام دليل السمع على عدم تعلق الحكم بالعباد قبل البعثة قال تعالى وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا وجه الاستدلال انه نفى العذاب مطلقا في الدنيا والآخرة وذلك نفى لازم الوجوب والحرمة وانتفاء اللازم يقتضى انتفاء الملزوم وحمل بعضهم العذاب في الآية على عذاب الدنيا وهو مدفوع بأنه تخصيص بغير دليل وخلاف مقتضى اطلاق لفظ العذاب بلاموجب يقتضى التخصيص اهـ (فان قيل) من طرف المعتزلة ليس تخصيص العذاب في الآية بعذاب الدنيا خلاف مقتضى الاطلاق فلاموجب بل هو خلاف له موجب عقلى وهو ان الواجبات كالنظر المؤدى الى الايمان بوجود البارى تعالى ووحدانيته لولم يكن عقليا لزوم الدور واذا وجب النظر المؤدى الى الايمان عقلا وان لم يرد الشرع وجب الايمان عقلا لان العلم بوجوبه لازم للنظر الصحيح المؤدى اليه الذى هو أول واجب ويلزم من وجود الملزوم وجود اللازم أما الملازمة الثانية فلان وجوب الوسيلة عقلا من حيث هى وسيلة يقتضى وجوب المقصود كذلك وأما الملازمة الثانية فقد أشار اليها المصنف بقوله (فاذا لم يجب النظر والمعرفة الابالشرع) أى اذا حصرتم مدارك الاحكام في الشرع المنقول دون قضايا العقول (والشرع لايستقر مالم ينظر المكلف فيه فاذا) أظهر الرسول معجزته ودعا الخلق الى النظر فيها ليعلم صدقه (قال المكلف للنبى ان العقل ليس يزجب على) أى لايجب على النظر الابشرع مستقر (و) اما (الشرع)