احدها ان الشئون الالهية من الاسماء والصفات في غاية الخفاء عن العقل والصعوبة على الفهم تصورا وتصديقا خصوصا الاسماء والصفات التى لا دلالة للاثار عليها ولما كان كذلك كان من حكمة الله وسعة رحمته وخفى لطفه ان بعث الانبياء عليهم الصلاة والسلام فانبئوا بانباء الله تعالى عن تلك الشئون وفصلوا ذلك بعض تفصيل يطيق العقل ادراكه حتى وقف على ذلك تصورا وتصديقا وحصل له الكمال لعلم ذلك توفيقا او تحقيقا ثانيها ان العقل قاصر بنظره عن ادراك وقوع جائز وان ادرك جوازه والكلام انما هو في العلم بالوجود لا في الحواز اذا الحواز على الاجمال من سبيل الضرورة والكمال انما هو في تحصيل العلم النظرى فاذا كان العقل قاصرا عن ادراك الوقوع جائت الانبياء عليهم السلام منبئين عن وقوع كثير من الجائزات التى حصل الكمال بعلمها كتفصيل احوال المعاد ووقوعه خصوصا ما وقع من ذلك في نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ثالثها ان الاحوال العارضة للانسان لما كانت تنقسم بحسب الموافقة والمنافرة الى خير وشر وبحسب ذلك تختلف السعادة والشقاوة بحسب المواطن الثلاث دنيا وبرزخ واخرى وكان المقصود من الخير تحصيله ومن الشر تفويته وتحصيل الشئ او تفويته فرع العلم به وكان العلم بالخير والشر في غاية الخفاء بل لا مجال للعقل في ذلك عندنا اذا الخير هو الحسن والشر هو القبح وقد تقدم ان ذلك بحسب تعلق الخطاب الالهى لا غير ولما كان كذلك بعث الله الانبياء عليهم السلام فانبئوا عن خير الاحوال في المواطن الثلاث فامروا به ورغبوا فيه وعن شر الاحوال كذلك فنهوا عنه وحذروا منه اه * (فصل) * اعلم ان البعثة لطف من الله تعالى ورحمة للعالمين لما فيها من حكم ومصالح لا تحصى فان النظام المؤدى الى اصلاح حال النوع على العموم في المعاش والمعاد لا يكمل الا ببعثة الانبياء فتجب على الله تعالى عقلا عند المعتزلة والشيعة لانها من اللطف المقرب للايمان واللطف واجب عندهم على الله عز وجل وعند الفلاسفة لكونها سببا للخير العام المستحيل تركه في الحكمة والعناية الالهية والى هذا ذهب كثير من الما تريده من اهل ما وراء النهر وقالوا انها من مقتنيات حكمة البارى فمستحيل ان لا يوجد كاستحالة السفه عليه كما ان ما علم الله وقوعه يجب ان يقه لاستحالة الجهل عليه وهذا المقول هو معنى قول المعتزلة بوجوب البعثة او بوجوب الاصلح والمختار انها لطف من الله تعالى ورحمة من بها على عباده يحسن فعلها ولا يقبح تركها ولا يبتنى على استحقاق من المبعوث واجتماع شروط فيه كما زعماه الفلاسفة بل الله يختص برحمته من يشاء وهو اعلم حيث يجعل رسالاته كما في شرح المقاصد ومن هنا حملنا الوجوب وظاهرة استحالة تخلفه على خلاف ظاهرة ويمكن حمله على ارادة وجوب الوقوع لتعاق العلم القديم بوقوعه فان ذلك لا ينافى امكانه في نفسه * (فصل) * ودليل المحدث في هذا الاصل قوله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين وقوله تعالى حكاية عن الكفرة لولا ارسلت الينا رسولا فتتبع اياتك وقوله تعالى يا اهل الكتاب قد جائكم رسولنا يبن لكم كثيرا فان الله تعالى اعذر الى الخلق ببعثة الرسل وقطع حجتهم عند ذلك وهى انه لولا بعثة الرسل لتوجه لهم من حيث العادة المالوفة ان يقولوا عند نزول الشقاوة بهم يا ربنا انك ركبتنا تركيبا نسهو معه ونغفل جعلت فينا غضبا وشهوة ومكنت منا عدوا لنا حريصا على غوايتنا واضلالنا فهلا امددتنا بشخص من انفسنا نسر به ولا نستوحش منه ينبهنا اذا سهونا ويذكرنا اذا نسينا ويعلمنا اذا جهلنا ويمنعنا اذا اشتهينا ولما كان كذلك بعث الله الانبياء لقطع هذه الحجة واضمحلالها على انه لو لم يفعل ذلك لكان له ذلك اذ هو يفعل ما يشاء لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون * (فصل) * ودليل الصوفى يقول قد تحقق في نفس الامر ان العلم على قسمين قديم وحادث وان شئت فقل فعلى وانفعالى وان شئت فقل حصولى وانطباعى وان شئت فقل ذاتى وعرضى فالعلم الحصولى