فهرس الكتاب
فقال وبحث ثلاثين وخسر في نصح رجل من المسلمين فلما اصبح غدا إلى بائع السكر فرفع إليه ثلاثين الفا وقال بارك الله لك فيها فقال ومن أين صارت لي فقال اني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت فقال رحمك الله قد اعلمتني الآن وقد طيبتها لك فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات سارا وقال ما نصحته فلعله استحيا مني فتركها إلي فبكر إليه وقال عافاك الله خذ مالك إليك فهو أطيب لنفسي فأخذ منه الثلاثين ألفا ولفظ القوت بعد قوله ربح فيه ثلاثين ألفا من المسلمين قال ومن أين صارت لي قال لما اشتريت منك السكر لم آت الامر من وجهه إن غلامي كتب إلي ان قصب السكر اصابته آفة فلم أعلمك ذلك ولعلك لو علمته لم تكن لتبيعني قال رحمك الله لقد أعلمتني الآن وقد طيبتها لك قال فرجع بها إلى منزله فبات تلك الليلة ساهر او جعل يفكر في ذلك ويقول لم آن الامر من جهته ولا نصحت مسلما في بيعته ولعله استحيا مني فتركها قال فبكر إليه من الغد فقال خذ مالك عافاك الله فهو أطيب لقلبي قال فدفع إليه ثلاثين الفا فهذه الاخبار من المناهي تدل على انه ليس له ان يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي على البائع غلاء السعر ويخفي عن المشتري تراجع الاسعار أي رجوعها إلى النقص فإن فعل ذلك كان ظالما غاشا تاركا للعدل الذي هو خير صفات المؤمن وتاركا النصح للمسلمين المأمور به في المعاملة ومهما باع مرابحة وذلك إذا سمى لكل قدر من الثمن ربحا بات يقبما قام علي أو بما اشتريته فعليه حينئذ أن يصدق في تسميته ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب او نقصان ليسلم من التغشيش ولو اشترى إلى أجل مقدر وجب ذكره ليكون على بصيرة ولو اشترى بمسامحة من صديقه أو أحد من معارفه أو ولده وجب ذكره لأن العامل معول على عادته الجارية في الاستقصاء لأنه لايترك النظر لنفسه فإذا تركه أي النظر لنفسه بسبب من الاسباب العارضة فيجب اخباره إذ الاعتماد فيه على امانته وتدينه الباب الرابع في الاحسان في المعاملة وقد امر الله تعالى بالعدل والاحسان جميعا كما سيأتي في الآية وكل منهما مأمور به في المعاملات فالعدل سبب النجاة فقط وهو يجري من النجاة مجرى سلامة رأس المال والاحسان سبب الفوز هو ادراك المأمول ونيل السعادة الأبدية وهو يجري من النجاة مجرى الربح وهذا هو العدل المطلق وهو الذي يقتضي العقل حسنه ولا يكون في شئ من الازمنة منسوخا كالاحسان للمحسن إليك وكف الاذى عمن كف أذاه عنك وانما قلنا ذلك فإن من العدل ما هو مقيد وهو الذي يعرف كونه عدلا بالشرع ويمكن نسخه في بعض الازمنة كالقصاص وأروش الجنايات وأخذ مال المرتد ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس المال الذي هو العدل دون الربح فكذا في معاملات الآخرة لا يقنع العاقل بالربح مع ضياع رأس المال فلا ينبغي للمتدين أي صاحب الدين المحافظ عليه ان يقتصر على العدل الذي هو الامر المتوسط بين الافراط والتفريط واجتناب انواع الظلم والتعدي في الحقوق ويدع أي يترك ابواب الاحسان الذي هو فعل ما ينبغي فعله من المعروف وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض وقال عز وجل ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وقال تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين ففي الآية الاولى احسان في