عند معاينة العذاب والبأس إلي تصديق دون غيره من الإعمال نحو قول فرعون لما أدركه الغرق آمنت انه لا اله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وقول قوم يونس عليه السلام آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين وتشبثهم بقوله تعالي وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم عند بيت المقدس لا يتم لأن المراد بهذا الإيمان التصديق أيضا غير أن المراد به تصديقهم بكون الصلاة جائزة عند التوجه إلي بيت المقدس ويتجمل أن يراد به نفس الصلاة إلا أنها سميت إيمانا مجازا إما لأنها لا تصح بدون الإيمان فكان الإيمان شرط جوازها وسبب قبولها أو لدلالتها علي غلإيمان علي إن الاسم المحمول علي المجاز بالإجماع فإنهم ما جعلوا الإيمان اسما لكل فرد من أفراد العبادات حني لا يكون الخارج عن الصلاة خارجا عن الإيمان ولا مفيد الصلاة مفسدا للإيمان وكذا هذا في الصوم والحج ثم أطلق اسم الجملة علي كل فرد من أفراد الجملة مجاز وإذا كان الاسم مجازا كان حماه علي ما ذكرنا أحق لما فيه من مراعاة معني اللغة والله أعلم * (مسئلة) * ثانية من المسائل الثلاث في بيان زيادة الإيمان ونقصانه و اختلاف الأقوال فيه (فإن قلت فقد اتفق السلف) رحمه الله تعالي (علي أن الإيمان يزيد وينقص) وفسروه بأنه (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فأن كان التصديق هو الإيمان) والإيمان هو التصديق ولا يتزايد في نفسه (فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان) أي لا يزيد بانضمام الطاعات إليه ولا ينقص بارتكاب المعاصي إذ التصديق في الحالين علي ما قبلهما وهذا مخالف لما ذهب إليه السلف فكيف التطبيق بين القولين ثم أن المراد بالسلف هنا القائلين بزيادة ونقصه جماعة من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء و ابن عمر وعمار وأبو هريرة وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم ومن التابعين كعب الأحبار وعروة وطاوس وعمر بن عبد العزيز ومن الأئمة الشافعي وأحمد وأسحق كما رواه اللالكائي في كتاب السنة و إليه ذهب البخاري فقال في أول كتاب الإيمان وهو قول وعمل يزيد وينقص بل روي عنه بسند صحيح أنه قال لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحد يختلف فيه و به قال عامة الاشاعرة ومن المتكلمين أهل النظر والفقهاء والصوفية وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص وأختاره أبو منصور الماتريدي من الاشاعرة أمام الحرمين وجمع كثير وتوقف مالك عن القول بنقصانه هذا هو المشهور من مذهبه علي أنه اختلف فوله كما في رواية العتبية علي الاحتمالات الثلاث ورأيت في الأسماء والصفات لأبي منصور البغدادي نقل عن الأشعري في مقالاته عن أبي حنيفة ما نصه وقال إن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه وحكي غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة عنه أنه يزيد ولا ينقص أه نص مقالات الأشعري وهذا الذي حكاه غسان وجماعة عنه هو بعينه قول مالك ولكن لم يشتهر في المذهب وقد شرع المصنف في تحقيق هذه المسئلة حيث قال (فأقول السلف) الصالحون (هم الشهود العدول) لاخبار وردت في ذلك منها خير القرون قرني ثم الذين يلونهم وقد أثني عليه الله سبحانه في مواضع من كتابه العزيز منها قوله رضي الله عنهم ورضوا عنه ومنها واتبعوهم بإحسان (وما لأحد) ممن بعدهم (عن قولهم) الذي قالوه ورأيهم الذي رأوه (عدول) أصلا وبين العدول جناس تام (فما ذكروه) وذهبوا إليه (حق) ثابت لا ينكره (وإنما الشأن في فهمه) أي فهم ما قالوه وحمله علي أحسن محامله ولذا قال الفخر الرازي الخلاف مبني علي أخذ الطاعات في مفهوم الإيمان وعدمه فعلي الأول إن كان علي وجه الركنية كما نقل عن الخوارج أو علي وجه التكميل كما نقل عن المحدثين يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها وعلي الثاني لا لأنه اسم للتصديق الجازم مع الاذعان وهذا لا يتغير بضم الطاعات ولا المعاصي وسيأتي البحث فيه (وفيه دليل علي أن العمل) بالجوارح (ليس من أجزاء الإيمان) التي تتركب منها ماهيته (و) لا من (أركان) وجوده بحيث لا يوجد ولا يتحقق الإ به كما هو شأن الركنية (بل هو مزيد عليه ويزيد به) إذا وجد معه وينقص إذا إنعدم (والزائد