لم ينفعه ايمانه المتقدم وهل نقول انه لم يكن ايمان لان من شرط الايمان ان لا يعقبه كفر او كان ايمانا ولكن بطل فيما بعد لطربان ما يحبطه او كان الحكم بكونه ايمانا صحيحا موقوفا على الخاتمة كما يتوقف الحكم بصحة الصلاة والصوم على تمامها لانها عبادة واحدة مرتبط اولها بآخرها فيفسد اولها بفساد اخرها تخرج من كلام العلماء ثلاثة اقوال من ذلك والاول قول الاشعرى والثانى ظاهر القرائن تدل له حيث حكم بان المرتد يحبط عمله اذا مات كافرا والثالث اقتضاه كلام بعضهم وعلى كل الاقوال الثلاثة يصح الاستثناء للجهل بالعاقبة التى هى شرط اما في الاصل واما في التدين واما في النفع ويكون الاستثناء راجعا الى اصل الايمان ولا يحتاج ان نقول ان الاعمال داخلة فيه ويلزم على هذا حصول الشك فيه لكن هذا شك لا حيلة للعبد فيه فانه راجع الى الخاتمة التى لا يعلمها الا الله وليس شكل في اعتقاده الحاصل الان نعم هو شك في كونه نافعا وصحيحا ومسمى عند الله ايمانا وان كان صاحبه جازما بانه ايمان قد اتى بما في قدرته من ذلك من غير تفريط ولا تقصير ولا ارتياب عنده فيه * المئلة الرابعة ولم اجد من تعرض للخريج عليها غيرى وهى التى اشرت الى عزة من يفهمها واحتياج سامعها الى تثبيت في الفهم بتوفيق من الله بالسلامة انا وان سلمنا ان الايمان التصديق وحده من غير اضافة الاعمال اليه ولا الامن من العذاب بسببه ولا اشتراط الخاتمة في مسماه فنقول التصديق يتعلق بالمصدق به وهو الخمسة المذكورة في الحديث ويشترط معرفة المصدق به فلابد للتصديق من المعرفة ويشهد لذلك ما رواه البغوى ابو القاسم من حديث يوسف بن عطية عن ثابت عن انس قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى استقبله شاب من الانصار فقال له النبى صلى الله عليه وسلم كيف اصبحت يا حارثة قال اصبحت مؤمنا بالله حقا قال اتظن ما تقول فان لكل قول حقيقة قال يا رسول الله عزفت نفسى عن الدنيا فاسهرت ليلى واظمأت نهارى وكأنى بعرش ربى بارزا وكأنى انظر الى اهل الجنة يتزاورون فيها وكأنى انظر الى اهل النار يتعاوون فيها قال ابصرت فالزم عبد نور الله الايمان في قلبه فقال يا رسول الله ادع الله لى بالشهادة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث يذكره الصوفية كثيرا وهو مشهور عندهم وان كان في سنده ضعف من وجهة يوسف بن عطية وهو شاهد لامرين احدهما جواز اطلاق انا مؤمن من غير استثناء والثانى الاشارة الى ما قلناه من ان هذا الاطلاق تشترط فيه المعرفة والمعرفة يتفاوت الناس فيها تفاوتا كثيرا فمعرفة الله تعالى معرفة وجوده ووحدانيته وصفاته اما ذاته فغير معلومة للبشر ووجوده معلوم لكل احد وحدانيته معلومة لجميع المؤمنين وصفاته يتفاوت المؤمنون في معرفتها واعلى المعارف لا نهاية لها فلا يعلمها الا هو سبحانه وتعالى واعلى الخلق معرفة النبى صلى الله عليه وسلم ثم الانبياء والملائكة على مرتبهم وادنى المراتب الواجب الذى لابد منه في النجاة من النار وفى عصمة الدم وبين ذلك وسائط كثيرة منها واجب ومنها ما ليس بواجب وكل ذلك داخل في اسم الايمان لانه تصديق بها وبالاخلال والعياذ بالله قد يترك ذلك الواجب فقد يخرج من الايمان به وقد لا يخرج والحد في ذلك مزلة قدم للمتكلمين والسالكين كل منهم يتكلم فيه على قدر عمله ويقف فيه على قدر خوفه واحوال القلوب في ذلك متفاوتة جدا والمعارف الالهية المفاضة عليها من الملكوت الاعلى واسعة جدا فالخائف ما من مقام ينتهى اليه الا ويخاف ان يكون فيه على خطر وينخلع قلبه من الهيبة فيفزع الى المشيئة ويقول حسبى ان كنت اديت الواجب وسواه رجلان احدهما اقامه الله تعالى مقام البسط وانشراح الصدر باليقين فيطلق والاخر غافل عن الحالين اكتفى بظاهر العلم يكتفى عنه بالاطلاق ايضا وعلى هذه الاحوال الثلاثة يحمل اختلاف السلف في ذلك وكل قصد الخير وتكلم على حسب حاله وليس فيهم من يكفر بعضا بل كل متكلم على قدر حاله وكل اناء بالذى فيه يرشح ومن قال من العلماء بوجوب الاستثناء غلب عليه حال استحضار تلك الامور.