* (فصل) * العبد مادام عاقلا بالغا لا يصل إلى مقام يسقط عنه الأمر والنهي لقوله تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين قد أجمع المفسرون على أن المراد به الموت وذهب بعض أهل الإباحة إلى أن العبد إذا بلغ غاية المحبة وصاف قلبه من الفضلة واختار الإيمان على الكفر والكفر إن سقط عنه الأمر والنهي ولا يدخله الله النار بارتكاب الكبائر وبعضهم إلى أنه تسقط عنه العبادات الظاهرة ويكون عبادته التفكر وتحسين الأخلاق الباطنة وهذا كفر وزندقة وجهالة وضلالة وأما قوله عليه السلام إذا أحب الله عبدا لم يضره الذنب فمعناه أنه إذا عصمه من الذنوب فلم يلحقه ضرر العيوب أو وفقه للتوبة بعد الحوبة ومفهوم هذا الحديث أن من أبغضه الله فلا تنفعه طاعة حيث لا تصدر عنه عبادة صالحة بنية صادقة ولذا قيل من لم يكن للوصال أهلا * فكل طاعة له ذنوب وأما ما نقل عن بعض الصوفية من أن العبد السالك إذا بلغ مقام المعرفة سقط عنه تكليف العبادة فوجهه بعض المحققين منهم بأن التكليف مأخوذ من الكلفة بمعنى المشقة والعارف يعبد ربه كلفة ولا مشقة بل يتلذذ بالعبادة وينشرح قلبه بالطاعة ويزداد شوقه ونشاطه بالزيادة علما بأنها سبب السعادة ولهذا قال بعض المشايخ الدنيا أفضل من الآخرة لأنها دار الخدمة والآخرة دار النعمة ومقام الخدمة أولى من مرتبة النعمة وقد حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال لو خيرت بين المسجد والجنة لاخترت المسجد لأنه حق الله سبحانه والجنة حظ النفس ومن ثمة اختار بعض الأولياء طول البقاء في الدنيا على الموت مع وجود اللقاء في العقبى والحاصل أن الترقي فوق التوقف كالتدلي والله أعلم * (فصل) * الحرام رزق لأن الرزق اسم لما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان فيتناوله وينتفع به وذلك قد يكون حلال وقد يكون حراما وذهب المعتزلة إلى أن الحرام ليس برزق لأنهم فسروه تارة بمملوك يأكله المالك وأخرى بما لم يمنعه الشارع من الانتفاع به وذلك لا يكون إلا حلالا ويرد عليهم أنه يلزم على الأول أن لا يكون ما تأكله الدواب بل العبيد والإماء رزقا على الوجهين الأخيرين وإن من أكل الحرام طول عمره لم يرزقه الله تعالى ويرد الوجوه الثلاثة قوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فيستوفي كل رزق نفسه حلالا كان أو حراما ولا يتصور أن لا يأكل الإنسان رزقه أو يأكل غيره لأن ما قدره الله تعالى غذاء لشخص يجب أن يأكله ويمنع أن يأكل غيره وأما الرزق بمعنى الملك فلا يمتنع أن يأكله غيره ومنه قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون والله أعلم * (فصل) * الدعاء مخ العبادة كما في حديث وقال الله تعالى ادعوني أستجب لكم وأنكرت المعتزلة أن يكون للدعاء تأثير في تغيير القضاء ورد بأن الدعاء يرد البلاء إذا كان على وفق القضاء والمراد بالقضاء هو المعلق لا المبرم واختلف في أن الدعاء أفضل عند نزول البلاء أم السكوت والرضا فقيل الأول لأنه عبادة في نفسه وهو مطلوب ومأمور بفعله وقبل السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم رضا ولا يبعد أن يقال الأتم هو أن يجمع بينهما بأن يدعو باللسان ويكون في الجنان تحت الجريان بحكم الجنان وقيل الأولى أن يقال إن الأوقات مختلفة ففي بعضها الدعاء أفضل والفاصل بينهما الإشارة فمن وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فهو وقته كما ورد من فتح له أبواب الدعاء فتحت له أبواب الإجابة أو الرحمة أو الجنة ومن وجد في قلبه إشارة إلى السكوت فهو وقته كما جاء عن إبراهيم عليه السلام لما قال له جبريل عليه السلام ألك حاجة قال ما إليك فلا قال فاسأل ربك قال حسبي من سؤالي علمه بحالي ويجوز أن يقال ما كان للعباد فيه نصيب ولله تعالى فيه حق فالدعاء أولى وما كان فيه حظ النفس للداعي فالسكوت عنه أولى وهذا أعلى وأغلى والله أعلم * (فصل) * اتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون من سعى الأحياء بأمرين أحدهما ما تسبب إليه الميت ف حياته والثاني دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع فيما يصل من ثواب