الصفحة 289 من 5957

الإسلام على خمس وذلك أنها عبادة لله محضة وهي تكملة إسلام المؤمن وما يتفرع منها حاوية شاملة لما تقررت فيه المذاهب أصولا وفروعا فمن ذلك علم الخلاف بين الفقهاء فإن معرفة مذاهبهم بأدلتها فضل والأخذ بها سعة من الله عز وجل وما انتهت المذاهب إليه فات كلا منها إذا أخذها أحد ساغ له ذلك فإن خرج من الخلاف بأن يأخذ بالأحوط معتمدا ذلك في كل ما يمكنه الخروج من الخلاف فإن ورد عليه مالا يمكنه الخروج من الخلاف فيه ففي مثله إذا وقف المتبع تبع إلا كثر كان هو الأولى فإما المجتهد فإنه إذا ثبت عنده حق بمقتضى ما أدى اجتهاد إليه في مسئلة فإن فرضه هو ما أدى إليها اجتهاده على أن المجتهد اليوم لا يتصور لاجتهاده في هذه المسائل التي قد تحررت في المذاهب ثمرة لأن الفقهاء المتقدمين قد فرغوا من ذلك فأتوا بمبالغ الأقسام كلها ولا يؤدي اجتهاد المجتهد إلا إلى مثل مذهب واحد منهم فأما هذا الجدل الذي يقع من أهل المذاهب فإنه أرفق ما يحمل الأمر فيه بهم أن يخرج مخرج الإعادة والدرس ليكون الفقيه به معيدا محفوظة ودراسا ما يعلمه فأما اجتماع الجمع منهم متجادلين في مسئلة مع أن كل واحد منهم لا يطمع في أن يرجع خصمه إليه إن ظهرت حجته ولا هو يرجع إلى خصمه لإن ظهرت حجة خصمه عليه ولا فيه عندهم فائدة ترجع إلى مؤانسة ولا إلى استجلاب المودة ولا إلى توطئة القلوب لمرعي حق بل هو على الضد من ذلك ولا مماري في أنه محدث متجدد * (الفصل الثالث في بيان الأسباب الموجبة للخلاف) * قال الحافظ بن رجب الحنبلي في شرح الأربعين اختلاف العلماء في المسائل التحليلية والتحريمية لأسباب منها أنه قد يكون النص عليه خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس فلم يبلغ جميع حملة العلم ومنها أنه قد ينقل فيه نصان أحدهما بالتحليل والآخر بالتحريم فيبلغ طائفة أحد النصين دون الآخرين فيتمسكون بما بلغهم أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ ومنها ما ليس فيه نص صريح كأنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرا ومنها ما يكون فيه أمر أو نهي فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا قال وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر وهو أن من الأشياء ما يعلم بسبب حله وهو الملك المتيقن ومنه ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه اللهم إلا في بضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك وإذا غاب على الظن وقوعه كإسحق بن راهويه والثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري هو له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله لأن الظاهر أن ما في بيته ملك لثبوت يده عليه والورع اجتنباه ومن هذا أيضا ما أصله الإباحة كطهارة الماء والثوب والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله فجوز استعماله وما أصله الحظر كالإبضاع ولحوم الحيوان ولا يحل إلا بتيقن حله من التذكية والعقد فإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبني عليه فما أصله الحرمة على التحريم ويرجع فيما أصله الحل فلا ينجس الماء والثوب والأرض بمجرد ظن النجاسة وكذلك البدن إذا تحقق طهارته وشك هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافا لمالك رحمه الله إذا لم يكن قد دخل في الصلاة فإن وجد سبب قوي يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله الطهارة فهذا محل اشتباه فمن العلماء من رخص فيه أخذا بالأصل ومنهم من كرهه تنزيها ومنهم من حرمه إذا قوي ظن النجاسة وترجع هذه المسائل وشبهها إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة وقد تعارضت الأدلة في ذلك وكل من القائلين بالطهارة والنجاسة استدلوا بدلائل من السنة قد بسطت في مواضعها قال وقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددا بين أصوله تجتذبه كتحريم الرجل زوجته فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفارة الكبرى وبين الواحدة بانقضاء عدتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت