الروح السارى في أجزائها ونعنى به (ان يفرغ القلب) أى يخليه (عن غير ما هو ملابس له) وملازم عليه (ومتكلم به فيكون العمل بالفعل والقول مقرونا بهما) بحيث لا ينفك عنهما بحال (و) امارة ذلك انه (ل يكون الفكر جائلا) أى متحركا (فى غيرهما) اذ جولان الفكر له مدخل عظيم في تشتيت الحواس فاذا جال فيما هو أهم كان الغاية في الرسوخ (ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه) ولم يجل الا فيما هو بصدده (و) مع ذلك (كان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة) تنافى ذلك الذكر ولا ذهول (عن كل شىء فقد حصل حضور القلب) لا محالة اذ لا يمنع الحضور الاعدام التخلية وانفكاك العمل عن الفعل والقول وجولان الفكر في غير ما هو فيه فاركان الحضور ثلاثة ينعدم الحضور بانعدام كل واحد منها وأعظمها التخلية فان قلت قرن العمل بالفعل والقول نتيجة التخلية كما يفهم من سياق المصنف فيكون العمل الح والفاء للتعقيب وأنت قررته ركنا فاعلم ان تخلية القلب عبارة عن ان لا يخطر فيه شىء ينافى القصد وقرن العمل بالفعل والقول أمر زائد عليه اذ قد يوجد التخلية ولا يوجد ذلك الامر الزائد وقد ينشأ هذا الامر الزائد من غير تحلية فهو وان كان في الصورة كالنتيجة للتخلية ولكنه في الحقيقة ركن من أركان الحضور وهو راجع الى القصد فلابد من تحصيله ثم حفظ الفكر عن الجولان وقص أجنحته حتى لا يحوم الا على ذلك القصد ثم لما كان قرن العمل بهما وحفظ الفكر من باب التخلية أخر عن تفريغ القلب لان التخلية مقدمة على التحلية هذا ما يتعلق باول الجمل (ولكن التفهم لمعنى الكلام) الذى ينطق به وهى الجملة الثانية (أمر وراء حضور القلب) ولذلك عد مستقلا (فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ) الظاهر (ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ) الذى هو سره ولبه وخلاصته (فاشتمال القلب) بعد حضوره (على العلم) الكافل (بمعنى اللفظ هو الذى أردنا بالتفهم) وبيانه ان التفهم تفعل من الفهم والفهم هو تصور المعنى من اللفظ سواء كان من نفسه أو من المخاطب ولا يتم هذا التصور الا بالتحقق لذلك المعنى ثم هو مطاوع للتفهيم يقال فهمته فتفهم والمفهم أعم من أن يكون نسبيا أو غير نسيب فالنسيب يختلف باختلاف الاحوال والمراتب ومن هذا النوع قد يكون التفهيم من باب الالقاء في القلب والنفث في الروع وهو أرفع المراتب ولذا قال المصنف (وهذا مقام يتفاوت الناس فيه) أى في أدناه و أقصاه فمنهم القانع بالقشر فقط والكامل الذى على الغنى سقط (اذ ليس يشترك الناس في تفهم المعانى) اللائقة (للقرآن) الذى يقرؤه في صلاته (و) كذا معانى (التسبيحات) التى في الركوع والسجود والناس في ذلك على طبقات فمنهم من يعبر عن الالفاظ الى معانيها الظاهرة بسرعة ادراكه حتى تنتقش في ذهنه انتقاشا لا يزول وانما قلنا الظاهرة وعنينا بها ما ذكره المفسرون في كتبهم وهى الحاصلة بتحقيق الاعراب وتركيب مسائله ومنهم من يفهم تلك المعانى من وجه آخر باعتبار مقتضيات خواص الالفاظ على قواعد أهل المعانى والبيان ومنهم من يتجاوز عن ذلك بفهمه الى ما تدل عليه تلك الالفاظ من تصريحات وتلويحات على طريقة أهل الاصول ومنهم من يتجاوز عن ذلك فيدرك بمجرد نطقه لتلك الالفاظ اسارات خفية ورمزا بهية تنكشف له حجبها من غير ادارة فكر ولا جولان خاطر على مشارب أهل العرفان وهذه المرتبة الاخيرة هى التى أشار لها المصنف بقوله (وكم من معان لطيفة ومعارف شريفة يفهمها المصلى في أثناء الصلاة) تنكشف له انكشافا (ولم يكن حضر بقلبه ذلك قبله) فيحصل له بذلك العروج الى معارج الاسراء والولوج الى خزائن الدار وبه صح ما ورد الصلاة معراج المؤمنين (ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر) فالفحشاء كل حالة سيئة من قول أو فعل والمنكر ما أنكره الشارع ولم يرتضه والمؤمنون وهو يشير الى قوله تعالى ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر (فانها) أى الصلاة تفهم (أمورا تلك الامور تمنع عن الفحشاء) والمنكر (لا محالة) وهكذا فسروا الآية المذكورة ولا يخفى ان الفحشاء والمنكر داخلان تحت المعاصى والشهوات ولكن لما كان