خواص هذه الامة المحمدية واما أن يذهب فهمه الى خواص الجملة الانشائية ومالها من التجددات والفارق بينها وبين الاسمية وتفاوت مراتبهما وتناسبهما مع السياق والسباق الى غير ذلك من الاسرار الناشئة من التركيب الجمعى فهذا نظر البيانيين وقد يعرض على قلبه حينئذ ان اهدنا الصراط موزون من بحر الرجز أو الكامل وقد دخله بعض العلل وهو نظر أهل العروض فكل هؤلاء من أهل الظاهر ينظرون الى ظاهر الالفاظ افرادا وتركيبا وكل ذلك ليس مراردا في التفهم المأمور وان كان من أهل الباطن يذهب فهمه الى شرف أم الكتاب وانها السبع المثانى وانها مكرمة هذه الامة ومن خصوصياتها وان الله تعالى خاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم وأمره بالدعاء والتضرع وأن يعلم أمته بذلك وان الهداية بتوفيق الله تعالى ومحض فضله وكرمه وانه ما أمر بالدعاء الا وقد تفضل عليهم بالاجابة وان الصراط المستقيم هو الذى لا اعوجاج فيه ولا أمت وصاحب هذا المقام يراعى حد الوسط في كل أمر من مطعم ومشرب وملبس وكل أمر دينى ودنيوى وهذا نظر أهل المرتبة الاولى من أهل الباطن ومنهم من يتجاوز بعد فهم هذا الى ان المراد بالصراط المستقيم هو التمسك بظاهر الشريعة والعض عليها بالنواجذ وانه هو الموصوف بهذا الوصف وصاحب هذا المقام يقف في العبارات عند الاشارات وهو نظر أهل المرتبة الثانية من أهل الباطن ومنهم من بعدو فهمه الى معنى أخر في الصراط المستقيم فيقول المراد به كلمة الاخلاص وانه ما نجا من نجا الا بالتمسك بها فالمداومة عليها سبب النجاة وسبب خلوص القلب من الاوهام والشكوك وصاحب هذا المقام من المستترين في ذكر الله تعالى لا يغفل عن مذكوره قط وهو نظر أهل المرتبة الثالثة من أهل الباطن ومنهم من يفهم من الصراط المستقيم معنى أخر وراء ذلك ويقول ان الصراط المستقيم هو محمد صلى الله عليه وسلم وقد أمرنا بمتابعته وقتفاء سبله وانه هو الموصوف بكمال الاستقامة وهو المخاطب بقوله تعالى فاستقم كما أمرت ولا متابعة أشرف من متابعة الاحوال بعد المتابعة بالاقوال والمعنى أرشدنا الى متابعة أحوال هذا النبى الكريم صلى الله عليه وسلم وصاحب هذا المقام شديد الملازمة للاحوال الباطنة وأشرفها الوفاء بكل العهود ويعبر عن هذا المقام بالفناء في الرسول وهو نظر أهل المرتبة الرابعة من أهل الباطن ومنهم من يتجاوز فهمه بعد احاطته بما سبق الى ان المراد بالصراط المستقيم هو وحدة الوجود يقول لا بقاء للبشرية بعد ظهور سلطان الحقيقة ويقول هذا هو الصراط المستقيم الذى سلكه المحققون من العارفين بالله تعالى وصاحب هذا المقام ان دامت معه هذه الملاحظة انمعقت أوصافه البشرية بالكلية وانصبغ بالصفات الملكية الروحية وهو مقام الصديقين نفعنا الله بهم أجمعين فانظر ما ذكرت لك من التفصيل في جملة واحدة مما تقرؤه في صلاتك التى هى سلم الوصول ومعراج الحق وهكذا تفرضه في كل جملة من جمل القرآن لتكون من أهل العرفان والله أعلم ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (وأما التعظيم) وهى الجملة الثالثة (فهو أمر وراء حضور القلب والفهم اذ الرجل) يتفق له انه (يخاطب غيره بكلام هو حاضر القلب فيه) بكليته (ومتفهم معناه) وما يريد به من فحواه (ولا يكون معظما له فالتعظيم) على هذا أمر (زائد عليهما) ولبد منه في مناجاة الحق سبحانه اذ لا ثمرة في الحضور والتفهم بدونه والمراد منه ملاحظة عظمته وجلاله وانه معظم في نفسه عظم نفسه بنفسه ويلاحظ تعاليه وتقدسه عن مشابهة المخلوقين (واما الهيبة) وهى الجملة الرابعة (فزائدة على التعظيم) لا يقال هما مترادفان لغة يقال هابه اذا عظمه في عينه (بل هى عبارة عن خوف) يعرض في القلب (منشؤه التعظيم لان من لا يخاف لا يسمى هائبا) ولذلك يستعمل في كل محتشم ومنه قول الشاعر
أهابك اجلالا وما بك قدرة * على ولكن ملء عين حبيبها ومنه ما ورد في شمائله صلى الله عليه وسلم من رأه فجأة هابه ومن خالطه معرفة أحبه*اعلم انه قد تتوارد ألفاظ مختلفة ويظن انه مترادفة وليس كذلك فمن ذلك الجزع والفزع والخوف والخشية والوجل