الصفحة 548 من 5957

والرهبة والهيبة ويلحق ذلك أيضا الحياء والخجل والذعر والفرق والاشفاق فهى اثنا عشر جملة ولابد من التفصيل في الفرق فيها ليتبين مقصود المصنف في اختيار لفظ الهيبة دونها فالفزع ما يعترى من الشىء المخيف والجزع ما يعترى من الشىء المؤلم ومتى ما كان الفزع عارضا عن امارة كالعار فهو الحياء والخجل وسيأتى الكلام على الحياء قريبا ومتى كان من شىء يضر فهو الفرق والذعر ومتى ما كان لفوت محبوب فهو الاشفاق وأما الخوف فهو توقع مكروه عن امارة والخشية خوف يشعر به تعظيم المخشى مع المعرفة والوجل استشعار عن خاطر غير ظاهر ليس له امارة والرهبة خوف مع تحرز واضطراب ولتضمن الاحتراز قال الله نعالى واياى فارهبون والهيبة هيئة جالبة للخضوع عن استشعار تعظيم وهذه الاشياء قد تذم باعتبار الامور الدنيوية وتحمد باعتبار الامور الاخروية والخوف من الله تعالى ليس يشار به الى ما يخطر بالبال من الرعب كاستشعار الانسان الرعب من الاسد وانما يشار به الى ما يقتضيه الخوف وهو الكف عن المعاصى ولذلك قيل لاتعدن خائفا من لا يترك المعاصى والى هذا أشار المصنف بضرب من الخطاب (والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجرى مجرى ذلك من الاسباب الخسيسة لا يسمى مهابة بل الخوف من السلطان المعظم) الموصوف بنعت العظمة (يسمى مهابة) لما فيه من استشعار لعظمة (فالهيبة) اذا (خوف مصدره الاجلال) أى هو أثر اجلال الله تعالى في القلب وقد يكون أثرا عن الجمال الذى هو جمال الاجلال فيلازمه الانس الا ان الهيبة مقتضاها الغيبة والانس مقتضاه الصحو والافاقة وأقرب الالفاظ مناسبة للمقام لفظ الخشية فان أركانها الثلاثة الخوف والتعظيم والمعرفة وانما اختار المصنف الهيبة عليه لان الخشية مقام العلماء بالله خاصة ولان ما ذكر في الخشية موجود في الهيبة باعتبار ان التفهم قد تقدمها فصارت الهيبة واردة عليه فلو ذكر الخشية كان فهم المعرفة فيها كالتكرار مع ما تقدم من التفهم وأيضا ففى الهيبة معنى زائد ليس في الخشية وهو كونه أثر مشاهدة الجلال وملازمة الانس له عند الكمال فتأمر والله أعلم (وأما الرجاء) وهى الجملة الخامسة فاختلف فيه على أقوال فقيل هو ترتب الانتفاع بما تقدم له سبب ما وقيل هو تعلق القلب بحصول محبوب مستقبل وقيل ظن يقتضى حصول ما فيه مسرة وعلى كل حال (فلا شك انه) أمر (زائد) على ما تقدم (فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه ويخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته) فان قلت الامل قد يطلق بمعنى الرجاء ومعناهما متقارب فلم اختار الرجاء دون الامل قلت لان الرجاء معه خوف فلذلك جاء بمعنى خاف نحو قوله تعالى مالكم لا ترجون لله وقارا ولا يقال أمل اذا خاف ففى الرجاء معنى زائد على الامل والى الجمع بين المرتبتين الامل والخوف أشار المصنف فقال (والعبد ينبغى أن يكون راجيا بصلاته ثواب الله عزوجل كما انه خائف بتقصيره عقاب الله عزوجل) والمعنيان موجودان في لفظ الرجاء وان كان وراء ذلك مقام آخر لاهل الاخلاص واليقين هو ان لا يقصد بصلاته بل بعباداته كلها حوز ثواب أو دفع عقاب فقد قيل من عبد الله بعوض فهو لئيم ولكن لكل مقال مقام كما ان لكل مقام مقال (وأما الحياء) وهى الجملة السادسة (فهو)

انقباض النفس من شىء حذرا من الملام وهو نوعان نفسانى وهو المخلوق في النفوس كلها كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس وايمانى وهو امتناعه من فعل المحرم خوفا من الله تعالى وهذا (أمر زائد على الجملة) ثم من يستحى منه ثلاثة من البشر وهم أكثر من يستحى منه ومن نفسه ثم من الله عزوجل ومن استحى من الناس ولم يستح من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره ومن استحى منهما ولم يستح من الله دل على قلة معرفته به ومن لم يعرف الله فكيف يستعظمه وكيف يعلم انه مطلع عليه وقول النبى صلى الله عليه وسلم استحيوا من الله حق الحياء ففى ضمنه حث لمعرفته وقال تعالى الم يعلم بان الله يرى تنبيها على ان العبد اذا علم ان الله يراه استحيا من ارتكاب الذنوب وسئل الجنيد عما يتولد منه الحياء فقال رؤية العبد الى الله ورؤية تقصيره في شكره واليه أشار المصنف بقوله (لان مستنده استشعار تقصيره) أى في اداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت