الصفحة 94 من 5957

وموجود له آخر وليس له أوّل وهو عدم العالم المنقطع بوجوده (الاصل الثاني) لما فرغ من ذكر الصفة النفسية التي هي الوجود من جملة الصفات العشرين وهو القسم الاوّل شرع في ذكر الصفات السلبية فأشار إلي أوّلها وهو القدم بقوله (العلم بان الباري تعالي قديم لم يزل) وأما بقية صفات السلب التي ذكرها المتأخرون ولا في كتبهم وهي البقاء ومخالفته للحوادث وقيام بنفسه والوحدانية فأنها تؤخذ من سياق المصنف علي طريقة المتقدمين مفرقة علي طريق التلويح والإشارة من غير ترتيب ثم القدم هي صفة سلبية علي الأصح أى ليست بمعني موجود في نفسه كالعلم مثلا وإنما هي عبارة عن سلب العدم السابق علي الوجود وان شئت قلت وهو عبارة عن سلب الاوّلية للوجود وان شئت قلت هو عبارة عن سلب الافتتاح للوجود والثلاثة بمعني واحد هذا معني القدم في حقه تعالي وفي حق صفاته ويطلق القدم علي معني آخر وهو توالي الازمنة علي الشئ وان كان محدثا ومنه قوله تعالي حتي عاد كالعرجون القديم وهذا المعني محال في حقه سبحانه وتعالي لان وجوده جل وعز لا يتقيد بزمان ولا مكان لحدوث كل منهما فلا يتقيد بواحد منهما إلا ما هو حادث وهل يجوز أن يتلفظ بالقديم في حقه تعالي فمن راعي معناه جوّزه ومن راعي كونه لم يرو نصا منع لان الاسماء توقيفية ومنهم من أورده فيه نصا من السنة فعلي هذا يصح وقد أشرنا إلي ذلك في الفصل الاوّل فراجعه ودل عليه من القرآن قوله تعالي وما نحن بمسبوقين (أزلي) نسبة إلي الازل وهو القديم كما في الصحاح والتهذيب فهو حينئذ بمعني القديم وقيل منسوب إلي لم يزل قاله الزمخشري وتقدم البحث فيه في الفصل الاوّل (ليس لوجوده أوّل بل هو الاوّل قبل كل شئ وقبل كل ميت وحي) أى لم يسبق وجوده عدم يعني ان القدم في حقه تعالي بمعني الازلية التي هي كون وجوده غير مستفتح قال المصنف في الاقتصاد ليس تحت لفظ القديم يعني في حق الله تعالي سوي اثبات موجود ونفي عدم سابق فلا تظنن أن القدم معني زائد علي ذات القديم فيلزمك أن تقول ذلك المعني أيضا قديم بقدم زائد عليه وتسلسل إلي غير نهاية ا هـ وقال أبو منصور والتميمي اختلف المتكلمون فيما يجوز اطلاق وصف القديم عليه تعالي وفي معناه علي أربعة مذاهب وكان شيخنا الاشعرى يقول ان معناه المتقدم في وجود مايكون بعده والتقدم نوعان تقدم بلا ابتداء كنقدمه تعالى وصفاته القائمة بذاته على الحوادث كلها وتقدم بغاية كتقدم بعض الحوادث على بعض وأجاز اطللاق وصف القديم عليه تعالى وعلى صفاته الازلية وقال ان القديم قديم لنفسه لالمعنى يقوم به فلا ننكر وصف صفاته الازلية بهذا الوصف كما لم ننكر وصفها بالوجود اذ كان موجودا لنفسه وقال عبد الله بن سعيد وأبو العباس لقلانسى ان القديم قديم بمعنى يقوم به هؤلاء يقولون انه تعالى قديم لمعنى قائم به ويقولون ان صفاته قائمة به موجودة أزلية ولا يقال انها قديمة ولا محدثة وزعم معمر وأتباعه من المعتزلة الحق ان الله لا يوصف بانه قديم ولا بانه كان عالما في الازل بنفسه لان من شرط المعلوم عند أن يكون غير العالم ونفسه ليس لغيره وزعم الباقون من القدرية أن القديم هو الاله ونفوا صفاته الازلية وقالوا لو كانت الصفات أزلية لشاركته في القدم ولوجب أن تكون الهة لان الاشتراك في القدم يوجب التماثل وقد بينا في أول الكتاب أن الاشتراك في القدم لايوجب تماثلا كما أن الاشتراك في صفة الحدوث لا يوجب تماثلا اهـ وقال البكى اعلم أن الاشاعرة اختلفوا في صفة القدم فنقل عن الشيخ انها صفات المعانى وهو قول عبد الله سعيد وقيل من الصفات النفسية واليه رجع الشيخ والحق انها من الصفات السلبية فلا يكون من الصفات النفسية ولا المعنوية اذ السلب داخل في مفهومه اذ القدم هو عدم سبقية العدم على الوجود وقد تقدم ذلك اهـ قال المصنف (وبرهانه انه لو كان حادثا ولم يكن قديما لا متقر) أى احتاج (الى محدث) وبيانه انه لو لم يكن قديما لكان حادثا لوجوب انحصار كل موجود في القدم والحدوث فمهما انتفى أحدهما تعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت