فهرس الكتاب
ثم قلت: هذا الذي ذكرتم من كون الرسم توقيفيا للخصم أن يقول سلمنا، ولكن لم لا يجوز أن يكتب القرآن العزيز على الرسم القياسي ويكتب بإثبات الألف وبحذف الزوائد، وأي شيء يضر في ذلك؟
فقال رضي الله عنه: للكلام القديم أسرار، ولكتابته دخل في تلك الأسرار، فمن كتبه بالكتابة التوقيفية فقد أداه بجميع أسراره، ومن كتبه بالكتابة القياسية فقد نقص من أسراره، ويكون الذي كتبه كلمات من تلقاء نفسه لا الكلمات المنزلة.
ثم ضرب رضي الله عنه مثلا فقال: لو فرضنا رجلا كتب كان التي هي من الأفعال الناقصة منقلبة بالواو هكذا كوان، وقصد بتلك الكتابة سرا أطلع عليه بعض الناس دون بعض، فجاء من لم يطلع على السر فظن أن كتبها بالواو لا يترتب عليه سر من جهة المعنى، فقال أنا أكتبها بالألف لأن المعنى واحد، والأصل في تأديته هو الألف وأنا أكتبها بالألف. فيقول له من اطلع على السر: لقد نقصت من السر وكتبت كان أخرى لا التي قصدها الرجل، فإنه إنما كتبها بالواو وجعل الألف فوقها ليفيد السكون والتكوين، فكأنه كتب في كوان المنقلبة كان وكون، أي كان زيد وكونه الله عز وجل. وهكذا الحال فيمن كتب الصلاة والزكاة والحياة بغير واو، فإنه قد نقص من أسرارها.
فقلت: فإن كان الرسم توقيفيا بوحي من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كألفاظ القرآن فلم لم ينقل تواترا حتى ترفع فيه الريبة وتطمئن القلوب به كما في ألفاظ القرآن؟ فإن ما من حرف حرّف إلا وقد نقل تواترا لم يقع فيه اختلاف ولا اضطراب، وأما الرسم فإنه إنما نقل بالآحاد كما يعلم من الكتب الموضوعة فيه، ومن نقله بالآحاد وقع الإضطراب بين النقلة في كثير منه، وكيف تضيع الأمة شيئا من الوحي؟