فهرس الكتاب
وقد علمت أن أكثر الحروف السبعة دورانا في الكلام ثلاثة: الآدمية والقبض والرسالة، وسره أنها تجري في الحروف والحركات، فكل رفع وسكون فللقبض، وكل نصب فللرسالة، وكل خفض فللآدمية. فكل كلام كثر النصب فيه فقد كثر فيه نور الرسالة، وكل كلام كثر فيه الخفض فقد كثر فيه نور الآدمية، وكل كلام كثر فيه الرفع أو الجزم فقد كثر فيه القبض.
وأما ما يتعلق بالفاتحة بحسب القراآت الخارجة من السبعة، فاعلم أن فيها اختلافا كثيرا خارج السبعة:
فمنه قراءة زيد بن رؤبة بن العجاج والعتكي (الحمد لله) بنصب الدال، وتوجيهها بحسب الظاهر أنه منصوب على المفعولية المطلقة بعد حذف الفعل وأصله أحمد الله حمدا، ثم غير إلى التركيب المخصوص، وتوجيه قراءة الرفع أنه على الإبتداء. وأما توجيهه بحسب الباطن فهو تابع لسر حركة الضم والنصب، فعلى قراءة الرفع يكون فيه ذكر حمد الله مع تكيف الذات به تكيفا سرى فيها بجملتها، وجاء التكيف عن الضمة التي على الدال فإنها للحاسة السارية في الذات فكأنه عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر حمد الله أحست ذاته بمعناها فتكيفت به فهو بمنزلة من قال وفعل، بخلاف قراءة النصب فإن النصب على الدال يدل على العلم الكامل بالله عز وجل وأنه يستحق الحمد لا محالة، وهل تكيفت الذات به أو لا سكتت الآية عن ذلك، ولهذا كانت قراءة الرفع أصح وأشهر وأكثر.
فإن قلت: السكون الذي على اللام والميم من الحاسة وذلك يفيد التكيف المذكور فتستوي قراءة الرفع والنصب.
قلت: الحاسة تدل على التكيف كما قلتم لكنها إن كانت قبل تمام اللفظ كالسكون الذي على اللام والميم المذكورين فالتكيف يتعلق بخصوص اللفظ، بمعنى أن الذات تكيفت بهذا اللفظ واستحلت حروفه، وإن كانت بعد تمام الكلمة كضمة الدال فالتكيف يتعلق بالمعنى وهذا منتف في قراءة النصب وموجود في قراءة الرفع فكانت أولى وأكثر.