فهرس الكتاب
ومنه الرفع في (رب العالمين) و (الرحمن) و (الرحيم) قرأ بذلك أبو زيد الأنصاري، وقرأ بالنصب أيضا. وتوجيه هذه القراآت بحسب الظاهر أن الخفض على الإتباع والرفع والنصب على القطع بإضمار مبتدأ أو ناصب، وبحسب الباطن يتبع اختلاف أسرار الحركات الثلاث، فالكسرة للعقل الكامل وهو من الآدمية والآدمية كلها تواضع وتأدب، فالعقل الكامل هنا أشعر بتواضع المتكلم لربه ومشاهدة كونه مفعولا ومربوبا وهو سر من أسرار الكسرة، والفتحة في قراءة النصب للعلم الكامل وهو يستلزم معرفة الأشياء على ما هي عليه، فهو يعلم الرب ربا والعالمين مربوبين، وهل تواضعت ذاته وتأدبت بين يدي الله تعالى؟ أمر آخر. والرفعة في قراءة الضم للحاسة السارية، ولكنها قبل تمام المعنى إذ لا يتم معنى المضاف حتى يذكر المضاف إليه، فالحاسة ههنا أشعرت بأن الذات تكيفت بلفظ الرب وتحلت به فقراءة الكسر أرجح من جهة المعنى، ولهذا كانت أكثر وأشهر وأصح.
ومنه اختلاف القراء في) ملك يوم الدين (على قراآت شتى:
فقراءة الجمهور بالقصر من غير ألف، وقراءة الكسائي وعاصم ومن وافقهما بالألف بعد الميم، وتوجيهه بحسب الظاهر أن قراءة القصر جارية على أنه صفة مشبهة مثل (ملك الناس) ، وقراءة المد على أنه اسم فاعل مثل (مالك الملك) ، وبحسب الباطن ينبني على سر الألف المدية المزيدة في قراءة المد، فإنها لكمال الصورة الباطنة وخرجت بسر الإشارة إلى فعل فعله المخبر عنه. فالألف مشيرة إلى أنه تعالى اتصف بالملك وأنه فعل من أفعاله، ومشيرة إلى القوم الحاضرين السامعين للكلام بتنبيههم إلى هذا الأمر العظيم، فصوت الألف خرج من كمال الصورة الباطنة، وقصد بهذا الصوت إفادة أمرين: أحدهما في المخبر عنه وهو أن ما نسب إليه من أفعاله، وثانيهما للسامعين بأن يتنبهوا ويستيقظوا من سنة الغفلة.