الصفحة 163 من 761

ومن اختلافهم قراءة بعض أهل مكة (نعبد) بإسكان الدال، ووجهه التخفيف كإسكان أبي عمرو يأمركم. وأما بحسب الباطن فإن سر الضمة وإن كان قريبا من سر الجزم هنا، فإن الضمة للحاسة السارية والجزم أيضا لها، فبينهما فرق وهو أن الجزم يشتمل على سر الضمة ويزيد على ذلك السر مثله لأجل أن الضمة هي الأصل والسكون طارئ عليها، فالسر الأصلي لا يزول مع وجود الطارئ، فالجزم أوكد من الضمة، لكنه لما كان فرعا طارئا قد يكون وقد لا يكون كانت الضمة أشهر وأكثر. وأيضا فإن السر الأصلي عام في جميع المؤمنين والسر الطارئ عليه خاص بالخواص، فقراءة الضم فيها قبض عام لأهل العموم وقراءة الجزم فيها قبض خاص لأهل الخصوص.

وقراءة بعضهم (إياك يعبد) بالبناء للمفعول وبالياء على الإلتفات من الخطاب إلى الغيبة. وأما بحسب الباطن فإن الضمة التي على الياء للإنكماش، والسكون الذي على العين للإنكماش، والمنكمش عنه ههنا هو ضد معنى الياء وضد معنى العين، فالياء للخوف من الله تعالى وضده عدم الخوف الذي هو العصيان، والعين للعفو وضده الظلم والإساءة، فانكمش هذا المتكلم عن هذين المعنيين القبيحين بعد اتصافه بمعنى الحرفين، وقوي انكماشه حتى بلغ به الحال إلى أن صار من العارفين الذي يحيون حياة أهل الجنة وهم أهل الباطن رضي الله عنهم الذين يشاهدون عبادة كل مخلوق لله تعالى وتسبيحه له كما قال تعالى:) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (.

وإنما قلنا إنه صار من الذين يحيون حياة أهل الجنة لأن فتحة الباء التي بعد العين لذلك المعنى الذي هو الحياة كحياة أهل الجنة، فهذه القراءة لا تصدر إلا من العارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت