فهرس الكتاب
قال الشيخ رضي الله عنه: وبها كان يقرأ سعيد بن جبير رضي الله عنه لأنه كان من أكابر العارفين نفعنا الله به آمين. ولهذا لم يحتج صاحب هذه القراءة إلى إدخال نفسه في العبادة لمشاهدته أنه لا يخرج أحد عن عبادته تعالى بخلاف قراءة الجمهور بالنون والبناء للفاعل، فإن المتكلم أدخل نفسه في العبادة فتحتمل قراءته العارف وغيره. فإن شهد أنه لا يخرج أحد عن عبادة ربه تعالى فيكون إدخاله نفسه تلذذا، وإن لم يشاهد ذلك كان القارئ غير عارف. ومع ذلك فقراءة الجمهور أولى لأن القارئ إذا اشتغل بالقراءة فإن الحروف تشتعل أنوار معانيها وتسقي ذات المتكلم بتلك الأنوار، فإن قرأ بالنون فقد أدخل نفسه فيسقى بنور معنى النون، وإن قرأ بالياء وكان غير عارف فإن ذلك النور الذي يدل عليه النون يفوته، وغرضنا قراءة الفاتحة بجميع أنوارها. وأما العارف فلا يفوته ذلك لمشاهدته أنه لا يخرج أحد عن عبادته تعالى. وبالجملة فقراءة النون تليق بجميع الأمة العارفين وغيرهم بخلاف قراءة الياء، فإن القارئ بها عارف لا محالة لأن في قراءته ما يشعر بأنه قام بواجب الحق سبحانه وهو الخوف التام منه المستفاد من الياء، وبواجب الخلق وهو العفو عنهم ومسامحتهم وعدم الإساءة إليهم المستفاد ذلك من العين. ثم بعد أن تحلى بهذين الأمرين العظيمين انكمش عن ضدهما المستفاد من ضمة الياء وسكون العين، وهذه حالة عظيمة، ولذا سقي بما سقي به أهل الجنة حتى حيى حياتهم.