فهرس الكتاب
فقال رضي الله عنه: أما بالنسبة للمفتوح عليه فإنه يرى كل خير من جهة يمينه، ويرى كل شر من جهة شماله. ثم يتحول الأمر إذا تحول، حتى إنا لو فرضناه متوجها نحو المشرق فإنه يرى من جهة يمينه التي هي إلى ناحية الجنوب كل خير، فيشاهد الجنة والعرش وأرواح الشهداء، ويرى من جهة شماله التي هي إلى ناحية الشمال جهنم والشياطين وأرواح الأشقياء وغير ذلك من وجوه الظلام. فلو تحول وانقلب إلى جهة المغرب ورجعت يمينه إلى ناحية الشمال وشماله إلى ناحية الجنوب فإنه يرى من جهة يمينه جميع الخيرات السابقة وغيرها، ويرى من جهة شماله التي هي إلى ناحية الجنوب جميع أنواع الشرور السابقة وغيرها، وهكذا إذا انقلب إلى جهة أخرى فإن الحال ينقلب.
قال رضي الله عنه: وسر ذلك أن العارف له مرآتان ينظر بهما، إحداهما نورانية لا يرى بها إلا النور وما شاكله، والأخرى ظلمانية لا يرى بها إلا الظلام وما شاكله. فالنورانية في يمينه وهي نور إيمانه بالله عز وجل، والظلمانية في يساره وهي شهوات النفس الخبيثة، وخبثها بالإضافة إلى نور الإيمان. فإذا نظر إلى جهة يمينه كان نظره بنور إيمانه فيرى ما يشاكله من كل ما هو حق ونور، وإذا نظر إلى جهة شماله كان نظره بظلام شهوات النفس فيرى ما يشاكله من كل ما هو ظلام وباطل، لأن نظره بنظر طبيعة ذاته لأنه فيه روح وذات، فلما سكنت الروح في ذاته سكون المحبة والرضا والقبول مع الإيمان قام بهما نور وهو نور إيمانه واختلط في ذاته، وكان واحدا والعقل هو الناظر، فإذا نظر بمرآة نور الروح رأى الطيبات، وإذا رأى بمرآة نور الذات رأى الظلام وما يماثله قاله عبد العزيز. وعلى هذا فتحرج حديث الأسودة التي على يمين آدم عليه السلام التي إذا نظر إليها ضحك، والأسودة التي هي عن يساره عليه السلام التي إذا نظر إليها بكى، والأسودة الأولى أرواح السعداء والثانية أرواح الأشقياء.