الصفحة 392 من 761

وسمعته رضي الله عنه يقول: إن للأعمال أجورا، وإن للأجور أنوار، وإن للأنوار اتصالا بالذات اليوم في هذه الدار. فإذا كانت الأعمال خالصة لله تعالى وجرت على سر حقيقة الذات كما سبق، فإن أنوار أجورها تسطع على الذات، فتفطن الذات بذلك فيحصل لها خشوع وقشعريرة وبكاء وغير ذلك مما يقتضيه ذلك النور الساطع، فيعلم صاحب البصيرة بذلك النور أن العمل قبل، وأن أجره يبلغ من القدر كذا وكذا.

وأكثر الناس يظنون أن الأجور لا تعلم إلا في الدار الآخرة، وذلك في حق المحجوبين. وأما غير المحجوب فذلك مكشوف له غير خفي عنه.

قال: وأما إذا كانت الأعمال لغير الله تعالى ولم تجر على حقيقة الذات، فإنها عناء وتعب، فلا أجور لها ولا يسطع بها على الذات نور.

قال رضي الله عنه: فليختبر العالم قلبه عند العمل، فإن لكل عمل وإن دقَّ أجرا، ولأجره نور ساطع تفطن الذات به لا محالة: فإن كان القلب عند العمل معمورا بالشواغل والقواطع، فليعلم أن الله قد حرمه أجره، ولذلك ملأ قلبه بالشواغل؛ وإن كان القلب فارغا من الشواغل منقطعا نحو الحق سبحانه، فليعلم أن الله تعالى قد أنجز له أجره.

قال رضي الله عنه: وترى الطالب يسافر من قطر إلى قطر ليحصل العلم بنية أن يدرك الجاه والكلمة النافذة أو الدنيا أو غير ذلك من الأغراض الباطلة، ويبقى على هذه النية السنين المتطاولة، فيحرمه الله تعالى من نور العلم، فلا يكون من الراسخين فيه أبدا، لأنه لا يدرك حقيقة العلم إلا من توجه إليه بباطنه، وباطن هذا معمور بأغراضه وشواغله، والذي يتحرك في العلم منه هو ظاهره فقط، والعلم سر من الأسرار فلا يدركه الظاهر أبدا، فكذلك أجور الأعمال التي ليست بخالصة لله تعالى فلا يدركها العبد أبدا، لأن الأجور من أسرار الله تعالى، والظاهر بدون الباطن لا يدرك الأسرار أبدا، والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت