الصفحة 394 من 761

قال رضي الله عنه: ومما يدلك على كثرة المنقطعين وزيادة الظلام في ذواتهم، أنك ترى الواحد يخرج من داره بعشرين موزونة مثلا ويذهب بها إلى ضريح ولي من أولياء الله تعالى فيطرحها عنده ليقضي له حاجته، وكم من فقير محتاج يلقاه في الطريق ويطلب منه متاع الله في سبيل الله لوجه الله، فلا يعطيه درهما واحدا حتى يبلغ للولي فيطرحها عند رأسه. وهذا من أقبح ما يكون، وسببه أن الصدقة لم تخرج لله عز وجل وعظمته وكبريائه ووجهه الكريم وجوده العظيم، إذ لو خرجت لذلك لدفعها صاحبها لكل محتاج لقيه، ولكن لما كان الحامل عليها والداعي إلى إخراجها هو قصد النفع لنفسه واستكمال أغراضه وحظوظه خص بها موضعا دون موضع، لظنه أن النفع يتبع ذلك الموضع وجودا وعدما.

قال رضي الله عنه: وقد رأيت في هذا اليوم ما أهدى للصالحين من باب تلمسان إلى الساقية الحمراء، فإذا هو من الدنانير ثمانون دينارا، ومن الغنم ثلثمائة وستون شاة، ومن البقر اثنان وسبعون ثورا، أخرج هذا كله في يوم واحد للصالحين، وما أخرج لله تعالى في ذلك اليوم عشرة دراهم.

قال رضي الله عنه: وهذا سبب من الأسباب الموجبة للإنقطاع عن الله عز وجل، الطارئة على هذه الأمة من غير شعور لأكثرهم بها. وهي منحصرة في ثلثمائة وستة وستين سببا، كلها موجبة لانقطاع العبد عن ربه عز وجل.

فقلت: وهل حضركم الآن منها شيء؟

فقال رضي الله عنه: اكتب.

الأول: الهدية للصالحين على الوجه السابق دون وجه الله عز وجل.

الثاني: التوسل إلى الصالحين بالله عز وجل ليقضوا الحاجة، فيقول الزائر قدمت لك وجه الله يا سيدي فلان إلا ما قضيت لي حاجتي. وإنما كان سببا للإنقطاع أن الزائر قلب الواجب وعكس القضية، فإنه كان من حقه أن يتوسل لله عز وجل بأوليائه لا أن يعكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت