فهرس الكتاب
قال: فإذا قضى الله تعالى بالتكوين، فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة ثم ما بقي من الأطوار، وكذا عدد الملائكة ينمو كل واحد منهم كما تنمو النطفة، فإذا خرج الولد إلى الدنيا خرج معه أولئك الملائكة، وهم حفظة ذاته وكبيرهم الحافظ الذي على اليمين. فكما أن الولد نشأ بين الأب والأم، كذلك أولئك الملائكة نشأوا بين ملائكة ذات الأب وهم ثلثمائة وستة وستون وبين ملائكة ذات الأم.
قال: وأما إذا قضى الله تعالى أن لا يكون ولد من تلك النطفة، فإن عدد الملائكة ينزلون معها إلى الرحم ويموتون، ولا ضرر على العبد في ذلك، لأنه لا كسب له في ذلك.
قال: وما شبهتهم حينئذ إلا بقطرات الزيت النازلة من فتيلة القنديل إذا كان مملوءا بالزيت أكثر من القدر المعتاد، فتنزل مضيئة ولا تبلغ إلى الأرض حتى تنطفئ.
قال رضي الله عنه: ولهذا لا يجوز التسبب في إخراج المني من الرحم، لأنا لا ندري هل أراد الله أن يكون من النطفة ولد أم لا؟ فنسعى في إهلاك عدد كثير من الملائكة.
وأما المفسدة التي حرم الزنا لأجلها، فليست هي من جهة الملائكة، وإنما هي من جهة قطع النسب. وذلك أن الناس يوم القيامة لهم نفع عظيم بالأنساب، ولا تقبل هناك دعوى نسب إلا بشهادة، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإشهاد في النكاح وإعلانه والجهر به، والزاني لا يفعل ذلك إلا خيفة لأنه لو جهر به لأقيم عليه الحد، فهو ساع في قطع النسب واختلاطه، فهذا ما سبقت إليه الإشارة في مفسدة اللواط، عصمنا الله منه.