فهرس الكتاب
جاء رجل مسرف على نفسه مرتكب للمعاصي إلى شيخي وأنا حاضر، فقال له: يا سيدي أنا مرتكب للمعاصي مصرّ عليها لا أقدر على تركها، فكيف الحيلة في الخلاص؟ فقال له الشيخ: ويحك أتعصي ربك؟ أترك المعاصي ولا تعد إليها. فقال: لا أقدر. فقال الشيخ: ويحك! تب إلى ربك. فقال: لا أقدر. فتغافل عنه الشيخ وأقام عنده يوما أو يومين، فلما أراد وداعه، قال: يا سيدي كيف الخلاص؟ فقال له الشيخ: إذا أردت أن تعصي ربك فاستحضر ثلاثة أمور وافعل ما شئت: استحضر المعصية وقبحها وما توصل إليه من غضب الرب؛ واستحضر ذاتك ونفسك وخساستك وإعراضك عن ربك؛ واستحضر ربك وسطوته وقهره وقدرته عليك متى أرادك، ثم عفوه عنك وما أسبله عليك من جميل ستره. فإذا استحضرت هذه الأمور كما ينبغي فافعل ما بدا لك. قال: فذهب الرجل ثم بعد مدة لقيته فسلم عليّ وقال: أوما تعرفني؟ فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا صاحب المعاصي، قد أخذ الله بيدي ببركة كلام الشيخ، وذلك أني أردت المعصية فاستحضرت الأمور التي أوصاني بها فما قدرت عليها، فكانت ذلك سبب توبتي، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: عندي أن الكبيرة ما فعلت حالة انقطاع القلب عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر باطنا، وإن تعلق العبد بذلك ظاهرا فإنه لا ينفعه.
وإنما كانت المعصية في هذه الحالة كبيرة، لأنه في حالة الإنقطاع يكون العبد واقعا في المعصية بقلبه وقالبه وبحبه ولبه وبيديه ورجليه وبكل ذاته، فلا يزجره من قلبه زاجر ولا يذكره من ربه ذاكر.
والصغيرة ما فعلت حال تعلق القلب بالرب سبحانه وبالأمور الموصلة إليه من رسله وملائكته وكتبه، فإن العبد إذا وقع في المعصية حينئذ يقع فيها على غير نية مع شائبة بغض فيها لأجل المزاجر التي في قلبه، فهو في حالة مواقعتها في حياء من ربه تعالى.