الصفحة 405 من 761

وسمعته رضي الله عنه يقول: إنما أسباب المعاش من حراثة وتجارة وغيرهما بمنزلة الكشاكيل التي في أيدي السعاة، فإنه قد جرت عادة الرب سبحانه أنه لا ينزل الرزق على العبد إنزالا بأن يعطيه الرزق في يده من غير حيلة، بل لا يعطيه إياه حتى يسأله بكشكول من كشاكيل أسبابه، فإذا مد له الكشكول وضع له فيه ما يليق به ويصلحه. وحينئذ فيجب على المتسبب أن ينزل سببه بهذه المنزلة، فيكون نظره عند السبب إلى ربه عز وجل لا إلى السبب، كما أن الساعي المتكفف إنما ينظر إلى الناس الذين يعطونه ولا ينظر إلى كشكوله الذي في يده. وإذا كان نظره عند السبب إلى ربه عز وجل كان متعلقا حالة سببه بربه عز وجل، فيكون سببه وصلة بينه وبين ربه تعالى، فلا يعتمد على سببه بل على ربه، وإذا كان اعتماده على ربه فلا يتعاطى إلا سببا أذن له ربه فيه، وحينئذ فلا فرق عنده بين أن يكثر من الأسباب أو يقلل، فإن المعطي سبحانه واحد وهو قادر على أن يعطيه في سبب واحد ما يعطيه لغيره في أسباب عديدة، فليتق الله وليجمل في الطلب، فهذه صفة أسباب المتعلقين بالله عز وجل.

وأما غيرهم فيقتلون أنفسهم حالة السبب بالخدمة ولا يرون سببا من الأسباب إلا تعاطوه سواء كان مأذونا فيه أو غير مأذون فيه، ويعتقدون أن الرزق يكون على حسب حيلهم وسياستهم الفاسدة. فهؤلاء هم الذين يستحلون التدبير في أمور الدنيا والتعب فيها وركوب المشاق العظيمة في طلبها على طاعة الله عز وجل وعبادته لكمال انقطاعهم عنه سبحانه.

وسمعته رضي الله عنه مرة أخرى يقول في هذا المعنى: إنما مثل الناس كمثل قوم ربطت في أوساطهم حبال، ثم دلوا من شواهق جبال عالية، حتى كانوا بين الأرض والسماء، فتركوا معلقين في الهواء وطال ذلك من أمرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت