الصفحة 406 من 761

فأما العقلاء منهم فإنه لا يقر لهم قرار ولا تسكن أنفسهم إلى غير من الأغيار، بل نظرهم مقسوم، فمرة ينظرون إلى الموضع التي تسقط فيه أرجلهم، وهل هو قريب أو بعيد؟ وهل المكان رخو أو صلب؟ وكيف تكون حالتهم إذا سقطوا على ذلك المكان؟ وهذه أنظار تذيب الأكباد وتفتت الفؤاد، ومرة ينظرون إلى الذي في يده الحبل المعلقون فيه، هل أراد أن يطلقه من يده أم الوقت باق؟ وهل بينهم وبينه مودة ورحمة فيحنّ عليهم إذا أطلقهم وينزلهم إلى المكان الذي يسقطون إليه برفق أو لا مودة ولا رحمة بينه وبينهم، فلا يبالي كيف رماهم، وحينئذ فيسعون في طلب مرضاته ولا يمكنهم ذلك بحيلة من الحيل إذ لا يمكنهم عمل من الأعمال، اللهم إلا أن يكون بخشوع القلب وخضوع اللسان، ونظر العين إليهم نظر الخائف منه المستعطف له، ثم هو مختار إن شاء رحم وإن شاء عذب، فتحترق قلوبهم من خوفه وعذابه.

وأما غير العقلاء من أولئك المعلقين، فإنهم لا ينظرون إلى المكان الذي يسقطون إليه، ولا ينظرون إلى الذي بيده الحبل، بل يغلب النسيان ويظنون أن الموضع الذي هم فيه حينئذ موضع إقامة فيشتغلون بأسباب الإقامة، فيبنون فيه الدور والقصور ويتعاطون الحراثة والتجارة وهم في ذلك الهواء ولا شعور لهم بأمر الحبل، فإذا قطع بهم وجدوا أنفسهم قد فرطوا في المكان الذي يسقطون إليه حيث لم يشتغلوا بالنظر إليه، ولا تعاطوا أسباب صلاحه ولو بالدعاء والتضرع، ولا تأهبوا للوقوع فيه، وفي الذي في يده الحبل، فإنهم ما عرفوه فضلا عن أن يتضرعوا له ويطلبوا منه النجاة والسلامة.

قال رضي الله عنه: فهذه حالة الغافل عن الله وعن الآخرة والذاكر لهما، فالحبل هو العمر، وانقطاعه بالموت، والمكان الذي يسقط فيه إما جنة وإما نار، والذي في يده الحبل هو الله سبحانه، فالعارفون به في خوف دائم من هذين الأمرين فأثابهم الحق سبحانه بالراحة يوم اللقاء، وأما الغافلون فعلى العكس من ذلك، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت