فهرس الكتاب
وقسم ظاهره مع الله وباطنه مع غير الله. فظاهره في الطاعات وباطنه غافل. وعلة هذا حيث لم ترده عبادته إلى ربه إنها أي عبادته صارت عادة له من جملة العادات، فاستأنست ذاته بها، فصار يفعلها بحكم وازع الطبع لا بحكم وازع الشرع. وقد ينضاف إلى هذه العلة على أخرى وهي أن يكون عند الناس معروفا بالعبادة والزهد وحسن السيرة، فيخاف من تقصيره في عبادته أن يسقط من أعين الناس، فتراه يعبد ليله ونهاره حرصا على أن تزيد درجته عند الناس؛ فهذا هو الذي لم تزده عبادته إلا بعدا من الله سبحانه. وقد يجمع الله سبحانه بعض أهل هذا القسم مع واحد من أكابر أوليائه من أهل القسم الأول، فيرى الولي علته فيريد أن يعالجه، فيأمره بترك بعض ما هو عليه من ظاهر العبادة، فيأبى عليه ذلك لاستحكام العلة، فيهلك مع الهالكين.
قلت: كما وقع لصاحب أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه، وذلك أنه أمر بعض من كان معه، والله تعالى أعلم، على هذه الحالة بترك صيام نفل، فأبى عليه، فقال له أصحابه وإخوانه في الله: ويلك أتعصي قدوتك؟ فقال لهم أبو يزيد: دعوا من سقط من عين الله عز وجل.
وقسم ظاهره مع غير الله وباطنه مع الله سبحانه. فظاهره في المخالفات وباطنه في مراقبة الحق سبحانه، فتراه يعصي وربه بين عينيه لا يغيب عن فكره، فتكبر عليه معصيته ويراها واقعة عليه كالجبل، فهو حزين كئيب دائما. وهذا أفضل عند الله بدرجات من القسم الذي فوقه، لأن مقصود الله من عباده هو الإنكسار والوقوف بين يديه تعالى بالذلة والخضوع حصل لهذا دون الذي فوقه.
قلت: وقد سبق له رضي الله عنه المثال الذي ضربه لعبادة المنافقين الذين يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، فراجعه في شرح حديث الإحسان"أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"، لتعلم به خساسة أهل القسم الثالث، والله الموفق بمنه وفضله.