فهرس الكتاب
وسمعته رضي الله عنه يقول وقد سئل عن اضطراب الذات في بعض الأحيان وصياحها. وذكر السائل أنه إذا اشتغل بالذكر والعبادة يحصل له ذلك، وخاف أن يكون من الشيطان لعنه الله، وذكر أنه إذا أقبل على الدنيا واشتغل بها انقطع عنه ذلك.
فقال رضي الله عنه: إن الروح قد تنفض بالنور الذي فيها على الذات فيحصل للذات ذلك الإضطراب، فتارة تمدها به في حالة الطاعة، وتارة تمدها به في حالة المعصية، فبينما الشخص في معصية ربه عاكف على شهوته إذ نفضت الروح على الذات بذلك النور فيحصل للذات خشوع ورجوع إلى الله تعالى.
قال: فلا ينبغي للشخص إذا حصل له ذلك في حالة الطاعة أن ينسبه إلى طاعته وعبادته، فيدخله العجب فيقول: لو كان من ذلك الطاعة لما حصل في حالة غيرها.
قال: وهذا النورالحاصل للذات من الروح هو للذات بمنزلة الزمام، فإذا رآها عدلت عن الطريق وخاف عليها من الزيغ ظهر عليها أي على الذات ليقودها إلى الطريق، ولا يكون إلا فيمن أراد الله به خيرا، إذا هو سبب من أسباب الهداية. وقد يكون في ذات أخرى لم يرد الله بها خيرا ظلاما يصدها عن الطريق، ويمنعها من إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال: فلكل ذات ضوء لا تمشي إلا في ضوئها، فإذا كان ضوؤها يهديها إلى الطريق فهي موفقة، وإن كان ضوؤها يزيغ بها وهو الذي نسميه ظلاما، فهي مخذولة.
ثم قال رضي الله عنه: وفي الروح ثلثمائة وستة وستون سرا، فمن تلك الأسرار سر لو أمدت الروح به الذات لبكت دائما، ومنها سر لو أمدتها به لضحكت دائما، ومنها سر لو أمدتها به لصاحت دائما، ولكنها لا تمدها إلا بما سبق به القدر.
وكنت معه رضي الله عنه ذات يوم بموضع، فجلس معنا رجل، وبينما الشيخ رضي الله عنه يتكلم، إذ جعل الرجل يصيح صياحا منكرا، وطال ذلك من أمره، فقال لي الشيخ رضي الله عنه بعد ذلك: هو شيء كبير، لولا أن الشياطين تلعب به ويفسدون عليه صلاته.
فقلت: يا سيدي وكيف؟