فهرس الكتاب
فقال رضي الله عنه: إن وجهة القلوب إلى الله تعالى هو صلاتها، كما أن ركوع الذات وسجودها هو صلاتها، وإنما شرعت الصلاة وسائر الطاعات لتحصل هذه الوجهة، فهي نتيجة العبادات وفائدتها التي هي سبب ربح العبد ورحمته، فإذا رأت الشياطين شخصا أراد أن تحصل له هذه الوجهة من ذكر أو سماع كلام رقيق أو نحو ذلك، نفذوا على قلبه فأفسدوا عليه وجهته حسدا لبني آدم وبغضا فيهم، فتحصل لهذا الصائح مفاسد منها فساد الوجهة التي هي سبب ربحه، ومنها أن يظن أنه على شيء، ومنها ما يخشى عليه من الإنقطاع لأنه بذلك الصياح يظن أنه على شيء، وكذلك الناس يظنون أنه على شيء، فيشيرون إليه، وويل لمن أشارت إليه الأصابع.
قلت: ومما يؤيد هذا، الحكاية التي ذكرها الشيخ زروق رضي الله عنه، وملخصها أن قوما من الفقراء كانت عندهم بفاس مبيتة، فكلموا شخصا صادقا في الذهاب معهم وكان أعمى، فذهب معهم إلى الموضع، فبينما هو يذكرون إذ قال الشيخ الأعمى رضي الله عنه: يا قوم قد دخل عليكم الشيطان في صورة عنز بقرونها. ثم قال: فمن هو صاحب الغفارة الحمراء منكم؟ فإني رأيت الشيطان يشمه شما عنيفا. ثم صاح الأعمى وقال: إنه نطحه بقرونه حتى غاصت فيه. فلم يفرغ من كلامه حتى صاح صاحب الغفارة وخرج عن حسه. ثم قال الأعمى: ومن هو صاحب اللباس الفلاني فيكم؟ فإني رأيت الشيطان قد انتقل إليه يشمه. ثم صاح: لقد نطحه والله بقرنه نطحة منكرة. فصاح المشموم وغاب عن حسه، انظر تمام الحكاية. فافتتضحوا بحضور ذلك الصادق معهم، وكانوا قبله يحسبون أنهم على شيء، فكانوا على جهل مركب.
وقد اتفق أنه صاح بعض الناس بحضرة شيخ عارف، فقال له الشيخ: إني تبعت صيحتك حتى دخلت إلى قبر بمقبرة كذا، فقال الصائح ولم يكن من أصحاب ذلك الشيخ: صدقت يا سيدي، لما مررت بكم فوجدتكم تذكرون محبوبكم ذكرت أنا محبوبتي، وكانت ابنة عم لي ماتت، وذلك هو قبرها، فلما تذكرتها صحت من ألم فراقها، والله تعالى أعلم.