الصفحة 411 من 761

وسمعته رضي الله عنه يقول: الدخان المعروف بطابة حرام: لأنه يضر بالبدن؛ ولأن لأهله ولاعة به تشغلهم عن عبادة الله وتقطعهم عنه؛ ولأنا إذا شككنا في شيء أحرام هو أم حلال ولم نجد فيه نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم، نظرنا إلى أهل الديوان من أولياء الله تعالى وهم أهل الدائرة والعدد، فإن وجدناهم يتعاطون ذلك الشيء علمنا أنه حلال، وإن وجدناهم لا يتعاطونه ويتحامون عنه علمنا أنه حرام، وإن كان بعضهم يتعاطاه وبعضهم لا يتعاطاه نظرنا إلى الأكثر فإن الحق معه، وأهل الديوان لايتعاطون هذا الدخان؛ ولأن الملائكة تتأذى بريحه.

ثم حكى لنا حكاية عن مدينة متعفنة لاجتماع فضلات بني آدم فيها، وزبل الدواب مع قلة المياه لذلك، وأطال في وصف المدينة وكيفية شكلها وأين هي، والغرض حاصل بهذا الذي قلناه، فلذا لم نكتب كيفية وصفه لها، قال: فتجتمع فيها روائح كريهة فوق ما يظن. قال: فدخلها ذات يوم ثمانية من أولياء الله تعالى من أهل التصرف، فلما توسطوها خرجوا منها مسرعين، وسبب إسراعهم أن ملائكة ذواتهم نفرت من تلك الروائح الكريهة، فنفر الأولياء لذلك، لأنه لا يعلم خطر نفور الملائكة عن الذات إلا من له بصيرة. وما مثاله إلا كمن جيء به إلى موضع العدو وبلاد اللصوص، ثم عزل عن سلاحه فبأي شيء يلقى العدو حينئذ؟

فقلت: فالثوم والبصل ونحوهما لها رائحة كريهة وأكلهما ليس بحرام.

فقال رضي الله عنه: إذا اجتمع حق الآدمي وحق الملَك قُدِّمَ الآدمي، لأن كل شيء إنما خلق من أجل بني آدم، فما فيه منفعة لبني آدم لا يحرم، وإن كان فيه مضرة للملَك، وفي الثوم والبصل منافع لا تخفى بخلاف الدخان فإنه لا منفعة فيه، نعم يحدث بسبب شربه ضرر في الذات ويصير الدخان بعد ذلك قامعا له، فهو بمنزلة من قطع ورقع ولو لم يشربه صاحبه لم يحصل فيه قطع حتى يحتاج إلى ترقيع، فيظن أربابه أن فيه نفعا وليس فيه إلا هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت