فهرس الكتاب
قال: ولو فرضنا جماعة يشربون الخمر ويستلذون به، ويظهرون المعاصي التي تكون معه ويفحشون فيها، ولا يتحرزون من أحد ولا يخشونه، ثم فرضنا رجلا جاءهم وفي يده دلائل الخيرات وجلس بينهم وجعل يقرؤها، وأطال معهم الجلوس وجلس معهم اليوم إلى آخره، وهو على قراءته وهم على معاصيهم، فإنه لا يذهب عليه الليل والنهار حتى ينقلب إليهم، ويرجع من جملتهم للعلة التي ذكرناها. ولهذا نهي عن الإجتماع مع أهل الفسوق والعصيان، لأن الدم والشهوة والغفلة فينا وفيهم، إلا من رحمه الله وقليل ما هم، والله تعالى أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يصف جهنم أعاذنا الله منها، فذكر فيها ما لا يطاق من الوصف، حتى قال بعض إخواننا الحاضرين: يا سيدي، لو علم الناس جهنم لشغلتهم عن الأكل والشرب فضلا عن غيرهما.
فقال رضي الله عنه: المؤمنون بالله وبرسوله كلهم عارفون بجهنم، فإن الواحد منهم إذا جرى على لسانه ذكر جهنم كان ذلك الذكر جاريا على قلبه كما جرى على لسانه، وإذا سمعها تذكر وكان ذلك السماع جاريا على قلبه كما جرى على أذنه فقد استوى الظاهر والباطن في الإيمان بها، وحضرت في الباطن كحضورها في الظاهر، وإنما الشأن في استدامة ذلك الحضور، فمن استدامه فقد رحمه الله وزالت غفلته وقلَّت مخالفته، ومن لم يستدمه كان على العكس من ذلك.
فقلت له: وما السبب في عدم استدامة ذلك الحضور؟
فقال: الدم الذي في الذات وبخاره هو السبب في ذلك، وذلك أن العبد إذا ذكر جهنم أو سمع بذكرها فإن ذلك كما سبق ينزل على قلبه وحينئذ يذهب الدم وبخاره.