فهرس الكتاب
قلت: ولذا يصفر وجه الخائف، وإذا هرب الدم تعطل حكمه الذي هو الغفلة، فإذا انقطع ذلك الذكر الذي هو سبب هروب الدم رجع الدم إلى مجاريه، واستولت الغفلة على الذات، فإذا رجع العبد إلى الذكر رجع الدم إلى القرار فزالت الغفلة، فإن سها العبد عن الذكر رجع الدم إلى مكانه واستولت الغفلة على العبد حتى يرجع العبد إلى الذكر فتزول حتى يسهو عنه فترجع، وهكذا على الدوام إلا من رحمه الله.
ثم الناس مختلفون في مقدار الأمد الذي بين الرجوع إلى الذكر وبين السهو عنه، فمنهم من يرجع بعد ساعة، ومنهم من يرجع بعد ساعتين، ومنهم من يرجع بعد يوم، ومنهم من يرجع بعد يومين.
فانظر يا أخي من أي قسم تكون.
)وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (.
فقلت: ولم كانت الذات إذا سمعت الذكر تزول عنها الغفلة ويهرب منها الدم، وإذا لم تسمعه كانت بعكس ذلك.
فقال: لأنها بسماع الذكر تحصل لها اليقظة والإفاقة، فتكون بمنزلة من رجع إليه عقله فتجري أفعاله على السداد، فإذا زال السماع عنها رجعت إلى منامها الذي هو الغفلة، ومثالها حينئذ كنائم وقع في النوم وقوع استطابة واستحلاء، فإذا كلم ونودي أجاب من كلمه على كره واستثقال، وبمجرد انقطاع النداء يرجع إلى منامه لأنه هو الغالب عليه السابق على هذا النداء إلى ذاته، فكذلك الغفلة هي السابقة للذات الغالبة عليها، والله تعالى أعلم.
وسألته رضي الله عنه عن الكشف والنظر فيه، وسبب العيب الحاصل منه.