فهرس الكتاب
قال: وقد وقع لبعض رهبان النصارى ما يستغرب، وذلك أنه كان كبيرهم ومقدمهم على الكنيسة، فكان إذا أراد الخروج من الكنيسة لا يعرض عن الصليب ويعطيه بالظهر حتى يخرج من الكنيسة، إلى أن كان في بعض الأحيان، فسافر ولده في وقت هيجان البحر وكثرة زلازله، فدخله من الخوف على ولده ما لا يكيف، فصار يترقب أخباره ويستشرف إليها، حتى جاءه الخبر بقدومه سالما فغلبه الفرح حتى ترك العادة في خروجه من الكنيسة، فاستدبر الصليب وخرج، فلما سلم على ولده تذكر ما فعل مع الصليب، فرجع من فوره، وقال للرهبان: اضربوني ألف سوط، فقالوا: لم؟ فقال: لأني استدبرت الصليب في هذا اليوم. فاستعظموا ذلك الإستدبار، فجعلوا يضربونه حتى أكملوا العدة، ولا غابت عليه محنة، فكان الناس عند ذلك يظنون أنه لأجل البلاء الذي حصل له من الضرب تتبدل نيته في الصليب ويرجع عن دينه، فلم يشعروا به حتى أخذ الشفرة وقطع رجليه من الكعبين وقال: هذا جزاء من يعرض عن سيده.
قال رضي الله عنه: فإذا كان هذا يصدر من قوم على الضلال والباطل، فكيف ينبغي أن يكون حال من هو على الحق ويعبد الحق سبحانه.
قال: ولكنه تبارك وتعالى لما سبق منه في سابق علمه وإرادته أنه خلق أقواما وجعلهم أهل رحمته، وخلق آخرين وجعلهم أهل نقمته، جعل حركاتهم وسعيهم على وفق السابقة.
فأما أهل الرحمة فعلق قلوبهم به وصرف همتهم إليه سبحانه، فصارت حركاتهم وسكناتهم تابعة لذلك، فصلاتهم له، وصيامهم له، وقيامهم له، وقعودهم له، وسهرهم له، ومحبتهم له. ولم يزل تعالى يحركهم فيما يحبه إلى أن وصلوا إليه وظفروا برحمته، فحصلوا على ما سبق لهم من قسمة الرحمة.