فهرس الكتاب
فقال رضي الله عنه: الجنابة عند الأولياء شتى، ويجب الغسل من أمر واحد. وأسبابه عند الأولياء متعددة، وعند العلماء له سبب واحد. فالأولياء يجب عندهم الغسل في جميع تلك الأسباب، وعند العلماء لا يجب الغسل إلا من سبب واحد.
فسألته عن ذلك الأمر الذي له سبب واحد عند العلماء وتعددت أسبابه عند الأولياء، فقال: هو انقطاع الذات عن الله تعالى في نظرها، بأن تمد عيونها كلها عنه تعالى وتمتلئ عروقها فرحا بغيره تعالى وسرورا، ويستوعب الفكر في ذلك الغير وسائر أجزائها وجواهرها بشرط أن يكون ذلك الغير قاطعا عنه تبارك وتعالى في تلك الحالة، فإذا وقعت الذات في هذا الإنقطاع الكلي نفرت الملائكة والحفظة منها، واستعظموا انقطاع العبد عن ربه تعالى. فعند الصوفية كل سبب قاطع أوجب للذات هذا الإنقطاع يجب الغسل منه، وعند العلماء لا يجب الغسل إلا من الجماع أو ما في معناه.
قال: وسر الغسل هو تطهير الذات من ذلك الإنقطاع بتنزيله أي الإنقطاع منزلة النجاسة الحسية، وإذا أخذ العبد في الإغتسال أخذت الملائكة في الرجوع. فسبب شعور الولي بالجنابة رؤيته للملائكة نافرة من الذات المنقطعة، فيعلم بأن النفور سببه هو الإنقطاع الحاصل من الجنابة.
فقلت: فالمراقب لله تعالى حالة الوقاع يقتضي هذا الكلام أنه لا يجب عليه غسل.
فقال رضي الله عنه: هذا بالنسبة لغيره نادر، والنادر لا حكم له، والله تعالى أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: يقدر الولي على أن يكلم أحدا في أذنه ولا يقوم عنه حتى يكون هو والولي في المعارف على حد سواء من غير فرق بينهما، يعني أن الولي الكامل يقدر على توصيل العبد إلى رحمة الله تعالى في هذه اللحظة.
قال رضي الله عنه: لكن الشأن كله في العلك الذي يلصق به هذا السر، فإنه إذا لم يكن في الذات علك رجع السر إلى أصله، مثل من يلبس للهواء قميصا وسراويل وعمامة، فإنها لا تثبت فيه.