فهرس الكتاب
فأردت أن أسأله عن ذلك فلم يمكن في ذلك الوقت، فافترقنا عند قرب العشاء فنمت فرأيته في المنام فسألته عنه، فقال لي: هو موت النفس فلما التقيت معه في اليقظة أخبرته بجواب المنام، فقال رضي الله عنه: الجواب حق. فقلت: ما معنى موت النفس؟ فقال مرة: هو أن تكون أفعال العبد كلها خالصة لله، فإذا كانت الأعمال لغير الله فذلك علامة حياة النفس، وعلامة أخرى إذا كان العبد يجد من نفسه وسواسا فهو آية على حياة النفس، وبقدر كثرة حياتها يكثر الوسواس، فمن لا وسواس له فلا نفس له، ومن له وسواس فله نفس حية، ومن له نفس حية لا تكون أعماله لله تعالى، بل لنفسه يسعى ولها يدبر.
فقلت: وما الترياق الذي إذا نزل عليها ماتت وذابت كما يذوب الملح في الماء، فاذكره لنا حتى نضعه عليها ونستريح منها.
فقال: لا شيء إلا إذا نزل عليها الجبل الكبير.
فقلت: وما الجبل الكبير؟
قال: معرفة الله تعالى ومشاهدته، فإذا كان قلب العبد معمورا بها وعلم أنه من ربه تعالى بمرأى ومسمع وأنه يتحرك في شيء إلا إذا كان هو المحرك له تعالى، وأنه هو المنعم عليه تعالى بما شاء من النعم، وأن مصيره في الدار الأخرى إلى ربه فيدخله أي دار شاء. فإذا فكر في هذا علم قطعا أنه لا يقدر على نفع لنفسه ولا لغيره في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا إذا أعطاه ربه، فعند ذلك لا يتشوف إلى غيره فتموت نفسه، وفقنا الله لأسباب موتها بمنه وكرمه، والله تعالى أعلم.
وسألته رضي الله عنه عن اللعبة المعروفة بالضامة، وقد مررنا على قوم يلعبون بها، فسألته عن حكم اللعب بها.
فقال رضي الله عنه: هو حرام.
فقلت: ولم؟
فقال: جميع المحرمات إنما حرمت لسبب واحد، وهو ما فيها من الإنقطاع عن الله تعالى، فكل قاطع للعبد عن الله تعالى ولا غرض فيه للشارع فإن الله يحرمه.