فهرس الكتاب
قال: وهذه اللعبة لا منفعة فيها إلا الشغل عن الله تعالى، فإن أربابها تراهم حين تعاطيها منقطعين إليها بالقلب والقالب حتى تنسد جميع عيون ذواتهم عن الحق سبحانه في تلك الساعة.
فقلت: وكذا تعلم الرمي وجري الخيل وغير ذلك من آلات الحرب فيها انقطاع عن الله تعالى وقت الشغل بها.
فقال: ليست هذه بمنزلة اللعبة السابقة، فإنه لا غرض فيها للشارع، ولا تعود على العبد بمنفعة في ذاته بخلاف الرمي وجري الخيل وغيرهما من آلات الحرب، فإن تعلمها من إعداد القوة المأمور بها في قوله تعالى) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ (. فكل ما هو مقصود للشارع أو يصح أن يكون مقصودا ليس بقاطع عن الله تعالى.
قال رضي الله عنه: ولذا اختلفوا في الشطرنج، فمنهم من أباحه نظرا إلى ما فيه من تعلم كيفية الحرب وغير ذلك مما فيه ويصح أن يكون مقصودا للشارع، ومنهم من منعه نظرا إلى أن مقصود الشارع في تعلم كيفية الحرب وغيرها لا يتوقف على تلك الطريق بالخصوص، بل يحصل بطريق آخر أوضح منها وأسهل، فلهذا كان الشطرنج أخف من الضامة، والله تعالى أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يحكي عن بعض الصالحين: أن سبب رسوخ التوبة في ذات العبد ومدّ أغصانها فيها وتمكن عروقها منها وبلوغها الغاية فيها، هو محبة المؤمنين جميعا من غير فرق، كما يبغض الكافرين جميعا من غير فرق. قال: فإذا كانت هذه المحبة في العبد نزلت عليه التوبة من الله، ولو كرهها وأراد دفعها فإنها تنزل لا محالة. وسبب ذلك أن العبد لا يفرق في محبته للمؤمنين حتى يحب بعضا دون بعض، إلا لدسيسة بغض في قلبه نشأت عن حسد أو كبر أو نحو ذلك، فتكون طويته خبيثة، والتوبة النصوح لا تنزل إلا بأرض طيبة وطوية طاهرة، فإذا أحب جميع المؤمنين فقد ارتفعت الدسائس كلها عن قلبه فتنزل التوبة عليه حينئذ.