فهرس الكتاب
فقال رضي الله عنه: الذي يجب أن يتوجه البغض إليه في العاصي هو أفعاله لا ذاته المؤمنة وقلبه الطاهر وإيمانه الدائم. فالأمور التي توجب محبته لازمة، والذنوب التي توجب بغضه عارضة طارئة. فتكون محبته هي الساكنة في قلوبنا، وبغضه يتوجه نحو الأمور العارضة. حتى إنا نمثل ذنوبه بين أعيننا وفي أفكارنا بمنزلة أحجار مربوطة بثيابه خارجة عن ذاته، فنحب ذاته ونبغض الأحجار المربوطة بثيابه. وهذا القدر هو الذي أمر به الشارع في بغض العاصي من غير زيادة عليه، وأكثر الناس لا يفرقون بين بغض الأفعال الخارجة عن الذات وبين بغض الذات، فيريدون أن يبغضوا الأفعال فلا يعلمون كيف يبغضونها فيقعون في بغض الذات، وبغض الذات إنما أمرنا به في حق الكافر فنبغض ذواتهم، وكل ما يصدر عنها. وأما المؤمن العاصي فإنا لم نؤمر ببغضه بغضا يطفئ محبة ذاته، ومحبة إيمانه بالله تعالى، ومحبة إيمانه برسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة إيمانه بجميع الرسل، ومحبة إيمانه بجميع الأنبياء عليهم السلام، ومحبة إيمانه بسائر الكتب السماوية، ومحبة إيمانه باليوم الآخر وكل ما فيه من حشر ونشر وجنة ونار وصراط وميزان، ومحبة إيمانه بجميع الملائكة عليهم الصلاة والسلام، ومحبة إيمانه بالقدر خيره وشره، وهكذا نحبه على كل وصف ممدوح فيه. فإذا تقدمت محبتنا فيه على هذه الخصال الحميدة لم يمكن أن يدخل بغضه في قلوبنا أبدا، وإنما نبغض أفعاله وندعو له بخير، ولا سيما إن نظرنا إليه بعين الحقيقة. وأكثر الناس إذا أرادوا أن يبغضوا العاصي توجهوا إليه أولا قبل كل شيء بالبغض، وغفلوا عن الخصال التي توجب محبته، فلا يستحضرونها في عقولهم، فيسكن بغضه في قلوبهم ويسري ذلك البغض إلى ذاته، فتكون هي المبغوضة في نظرهم، وذلك لا يحل ولا يجوز، والله تعالى أعلم.