الصفحة 423 من 761

وسمعته رضي الله عنه يقول إن الذي يتميز عن الناس في مركبه وملبسه وداره ومأكله قبيح. فقلت: وما سبب قبحه؟ فقال: إنه يشغل قلوب الناس بالإلتفات إليه، فيقطعهم عن الله تعالى فيكون تميزه عنهم سببا في قطعهم. فقلت: فالمحجوبون الذي يلتفتون إليه مقطوعون فلا يضرهم التفاتهم إليه. فقال: يزيدهم قطيعة على قطيعة. قال: وأيضا فإن الروح تنفر من الذات المشتغلة بهذا التمييز، لأن بذلك التمييز يحصل للروح ذلة ومسكنة، فتكره فعل الذات وتفر عنها، فلا تسددها ولا ترشدها إلى ما يليق بها مع خالقها، فيكون ذلك سبب هلاكها.

قلت: فللتمييز حينئذ آفتان: آفة في نفسه، وآفة في غيره.

ثم قال بعض الحاضرين وكان جوادا سخيا كريما: يا سيدي، أرأيت حب الصدقة إذا أوقع صاحبها في هذا التمييز، أيضره ذلك أم لا؟ فقال رضي الله عنه: نعم، وينبغي له إخفاء الصدقة ما أمكنه.

قال رضي الله عنه: وأعرف رجلا تصدق فيما بين المغرب والعشاء بخمسة وعشرين مثقالا على فقراء لا يحصون ولم يعرفه واحد منهم.

فقال السائل: يا سيدي، فإن أخفاها ولكن بقيت نفسه تتشوف إليها وتفرح بها؟ فقال رضي الله عنه: إن كان تشوفه إليها على وجه الفرح بها ورؤيتها عظيمة في عينه، فجعلت نفسه تعجب بها، فهذا لا يمنع الفعل والإخراج، لأن الشخص المتصدق قد يصادف من نفسه غفلة عن هذا النظر فتخرج الصدقة سالمة فيتقبلها الله تعالى.

قال رضي الله عنه: وإنما طوّل الله أعمارنا حتى صرنا نعيش الستين والسبعين عاما لهذه الفائدة، وهي أنه لعلنا ندرك في العمر الطويل ساعة من ساعات القبول، وذلك لاستيلاء النفس والشهوة علينا حتى لا يكاد يصفو لنا فعل ولا يخلص لنا عمل. قال: فمثل هذه العلة لا تمنع من الفعل. وأما إن كان تشوف النفس إليها على وجه الرياء بها وإنما فعلها صاحبها لأجل الناس، فهذه علة تمنع من الفعل وتصيره معصية، وإن كانت صورته صورة طاعة فيما يرى الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت