الصفحة 426 من 761

ثم حكى لنا حكاية وقعت له مع رجل بهلول، وحاصله أنه قال رضي الله عنه: كنت أعرف رجلا بهلولا وهو من الصالحين، وليس عنده في فصل البرد الكسوة التي تقيه من البرد، فكان يهمني أمره وتدخلني الرحمة والرقة عليه كثيرا. قال: وربما تصدق عليه بعض الناس بكسوة تقيه من البرد فيجيء من لا يخاف من الله عز وجل فيزيلها عنه ويذهب بها. قال: فجئته بكسوة تقيه من البرد، وكان يبيت في بعض الأرحية متى يطحن فيها، فجئت ذلك المكان فوجدته فيه فكلمته فأجابني، فقلت: أتيتك بكسوة لتلبسها، فقال: لا أقبلها ولا ألبسها. وكنت تصدقت بها عليه بنية أن يرزقني الله حاجة كذا، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله سبحانه، فلما سمعت منه الإباية أعدت عليه القول وكررته مرارا، فعند ذلك قال: إني لا ألبس الكسوة التي أخرجت لحاجة كذا، وذكر الحاجة يعينها، وإنما ألبس ما هو لله خالصا، فذهبت وتركتها بقربه ووصيت أهل الرحى عليها وأن يلبسوها له، فبقيت هناك أياما وما لبسها قط، فإذا كان هذا مخلوقا وأبى من قبول ما هو لغير الله فكيف بالخالق سبحانه، والله تعالى أعلم.

وسمعته رضي الله عنه يقول: كان بعض العباد المفتوح عليهم في العبادة مريضا بعلة الإستسقاء، فلما أحس بالموت وقد بقي على عقله، لأن غالب من يمرض بعلة الإستسقاء يبقى على عقله، فلما شاهد ألم الموت وعلم أنه ما مر عليه في عمره مثله أبدا، أكسبه ذلك خوفا من الله تعالى وامتلأ قلبه رعبا من لقائه عز وجل، فوقع في فكره ما سلف من العبادة الكثيرة ففرح بها وسخن قلبه بها وجعلها في مقابلة ذلك الخوف، فأكسبه ذلك أمنا وهناء في قلبه، فلما علم الله منه أنه اعتمد على عبادته سلبه الله عز وجل، فمات مسلوبا والعياذ بالله. قال: وكم في جهنم من عابد مثله، أدخلهم الله جهنم لاعتمادهم على عملهم.

قال رضي الله عنه: ولا شك أنه لا يعتمد على العبادة إلا من فعلها بقصد الأجر وحظ النفس، ولو كانت لله خالصا لنفعتهم في هذا اليوم العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت