الصفحة 427 من 761

قال رضي الله عنه: وعبادة العارفين بالله تعالى إنما هي لأجل وجوده الكريم وذاته الرفيعة، فيفعلونها إجلالا وتعظيما ومهابة وتوقيرا، ويعلمون أنهم لو عبدوا طول عمرهم ونطحوا الصخور بجباههم دائما سرمدا ما وفوا بشيء من حقوق الربوبية، فكيف يطلبون لأنفسهم أجورا، لأنه لا يطلب الأجر إلا من رأى أنه قام بالحق وأدى الواجب عليه، وهم رضي الله عنهم يرون أنفسهم مقصرين ما قاموا لله بشيء مع أنهم يشاهدون الفعل الصادر منهم إنما هو منه تعالى لا منهم، فكيف يطلبون الأجر على ما فعله غيرهم.

فقلت: فأي شيء سلب هذا العابد؟ أما المعرفة فإنها ليست عنده فإنه لو كان عنده منها شيء ما اعتمد على عمله، فالمسلوب إذا إما الإيمان وإما الحسنات.

فقال رضي الله عنه: المسلوب عنه هو الحسنات التي فعلها، فإن نظره إليها واعتماده عليها أزال عنه جميع الرحمات المترتبة عليها، ورجعت تلك الحسنات بأسرها معاصي وذنوبا يعاقب عليها في جهنم.

فقلت: أفلم يكف إحباطها بالنظر إليها في صوبته حتى رجعت ذنوبا.

فقال رضي الله عنه: النظر إليها هو الذي صيرها ذنوبا، فإنك إذا رأيت حربة قصدتك وتراها داخلة في جنبك لا محالة، فإذا أردت أن تتقيها بدرقة فإنك لا تتقي بها حتى تقطع وتجزم بأن الدرقة أقوى من ضرب الحربة، حتى إنها تردها وترد غيرها، ولو كنت تعلم أن الدرقة لا ترد الحربة فإنك لا تتقي، وإنما تستجير بصاحب الحربة، وتدخل في حماه، وتطلب رضاه لعله يرحمك حتى يرد حربته عنك.

قال: فكذلك هذا العابد، فإنه ما جعل عبادته في مقابلة ذلك الخوف وسكن قلبه ودخله الأمن والهناء حتى كان يرى أنها أقوى مما لله عليه من الحق الواجب وأقطع منه وأمضى حتى ترده وترد غيره، وهذا غاية الضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت