الصفحة 483 من 761

فقلت: وهذا باب واسع وطريق نافع يعرفه من مارس تعليم الناس العلم أو نحوه، فإنه إذا عرض عليه هذا الكلام في القابلية وجده كأنه نسخة منقولة مما جرى عليه في زمان التعليم ومعاناته. ولقد أقامني الله تعالى وله الفضل والمنة في مقام التعليم، فبقيت فيه نحوا من سبع وعشرين سنة، وحين سمعت كلام الشيخ رضي الله عنه في القابلية والخواطر التي تبتنى عليها الذوات عرضته على ما جرى لخلق كثير تعلموا منا فوجدته ضابطا جامعا مانعا، وطرحت عني بسببه أحمالا كثيرة كنت أتحملها في تعليمهم، أبالغ لهم في النصح والبيان مع إقامة الدليل والبرهان، وأحب لهم الخير كثيرا وأتمناه لهم، حتى يسكن ذلك في ذاتي ويصير ذلك كله أكلي وشربي معهم، ثم بعد ذلك لا يجيء منهم شيء، وكل ما بنيته معهم في مدة سنين ينهدم بمجرد مخالطتهم لمن هو من أهل البطالة، بل ينهدم بمجرد غفلتي عنهم وعدم تنبيههم، كالدابة التي تمشي ما دامت تضرب وإذا قطع عنها الضرب وقفت. وجرى لخلق كثير غيرهم عكس هذا، وذلك أنهم بمجرد مخالطتهم لنا ومعاشرتهم إيانا يسكن في قلوبهم ما يسمعونه منا، ثم لا يزالون في زيادة في كل مجلس جلسوه معنا مع كوني لا أبالغ معهم المبالغة التي كنت أفعلها مع القسم الأول. فلم أزل أتفكر في ذلك وأطلب السبب فيه حتى سمعت كلام الشيخ رضي الله عنه في القابلية، وذكرت له ما جرى لي مع القسم الأول، فقال رضي الله عنه: اطرح عنك الحمل فإنك تضرب في حديد بارد، والناس ميسرون لما خلقوا له، والبدايات تدل على النهايات، فانظر إلى البدايات ونزل الناس منازلهم. هذا معنى كلامه رضي الله عنه. فمن ذلك اليوم استرحت، وحصل لي عليم عظيم والحمد لله بأحوال الناس في القابلية في كل شيء، والحمد لله.

فإن كنت كيسا فطنا، حاذقا لبيبا، فاجعل هذا الكلام نصب عينيك فإنك تطرح به عن نفسك أحمالا كثيرة في معاشرة أصناف الناس على اختلاف طبائعهم، والله سبحانه الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت