الصفحة 486 من 761

فأجاب رضي الله عنه: بأن المراد بهذه المعصية معصية المؤمن العارف بجلال ربه وعظمته، فإن صاحب هذه المعرفة لا تصدر منه هذه المعصية إلا بحكم غلبة القدر. ولسنا نعني بالعارف خصوص المفتوح عليه، بل نعني به من خلص إيمانه وصفا إيقانه، فإنه والحالة هذه لا يزايله الخوف من ربه تبارك وتعالى في حالة الطاعة، فكيف بحالة المعصية، لأن سبب سكون الخوف في ذاته معرفته بعظيم سطوته سبحانه وتعالى. فإذا فرضنا دوام هذه المعرفة وانتفاء أضدادها من الغفلة ونحوها، فإن الخوف يدوم ويسكن في الذات ولا يفارقه ولو في حالة الطاعة، فإنه يخاف أن يكون أتى بالطاعة على وجه يبعده من الله تعالى، فترى فرائصه ترعد من هذا الإحتمال رعدة لا يقر له معها قرار، ويعتريه هذا الخوف قبل الفعل وحين الفعل وبعد الفعل، ولا يزال متشوفا لما ينزل عليه من ربه، خائفا من هيبة الربوبية وسطوتها. فإذا كان هذا حاله مع الطاعة، فكيف يكون حاله مع المعصية.

ولقد عصى بعض المؤمنين ربه عز وجل وعاش بعد تلك المعصية أربعا وعشرين سنة، ولم تمر عليه ساعة في هذه المدة الطويلة إلا والدموع تسيل من عينيه خوفا من تلك المعصية، وعصمه الله تبارك وتعالى ببركة هذا الخوف الناشئ عن تلك المعصية في هذه المدة الطويلة من مواقعة الذنوب، وأثابه فضلا منه تعالى بمراقبة علام الغيوب في هذه المدة الطويلة، وحصل هذا العبد بسبب هذه المعصية على ما لا يحصى من صنوف الرحمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت