الصفحة 487 من 761

وبالجملة فالمدار على الخوف الساكن في الذات دائما، وسببه دوام المعرفة بسطوة الربوبية، وحصلت هذه المعرفة للذات من الروح، والروح من الملأ الأعلى الذين هم أعلم الخلق بربهم عز وجل، فإذا كانت الذات طاهرة فإن الروح تمدها بشيء من معارفها فيربح العبد في سائر أحواله وفي طاعته ومعصيته، وإذا كانت الذات غير طاهرة فإن الروح تحجب عنها معارفها فتنقطع الذات مع الشهوات وتميل مع اللذات، ويكون هذا هو الساكن فيها، والحالة المحمودة تكون عندها بمنزلة المنام، والغالب هو الساكن، والحكم للغالب، فتصير أعماله لتحصيل شهواته، فيطيع لغرض نفع ذاته لا لما تقتضيه العبودية من القيام بحق الربوبية، ويعصي لاستيفاء لذاته ولا يبالي.

فظهر أنه ليس المدار على الطاعة والمعصية، بل المدار على الخوف وضده، وفي الحقيقة المدار على المعرفة والجهل. والعدد المذكور أعني مائة رحمة ليس مرادا لخصوصه، بل المراد ما أشرنا إليه، والله تعالى أعلم.

وبقي للفقيه المذكور سؤالان، فلنوردهما هنا ثم نتفرغ للمقصود.

قال الفقيه المذكور: ومنها سيدي، قول العارفين: ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه، فكيف يرى القديم في الحادث؟ تعالى الله عن الحلول والإتحاد. وقولهم: لا هو عينه ولا هو غيره، وفيه رفع للمتناقضين وهو محال.

فأجاب رضي الله عنه: بأن معنى القول الأول ما رأيت شيئا إلا رأيت فعل الله فيه، فهم رضي الله عنهم لقوة عرفانهم يشاهدون أفعاله في المكونات والمخلوقات، وما من مخلوق إلا وأفعاله تعالى فيه لا محالة ولا حلول ولا اتحاد، وثم أسرار أخر لا تفشى ولا تذكر.

وبالجملة فتحقيق الجواب لا يسطر في كتاب.

وأما الكلام الثاني فغير ظاهر، فإن القديم مباين للحادث والمباين للشيء لا يكون عينه قطعا، وهو مغاير له بلا شك ولا ارتياب فالعينية مرتفعة والغيرية ثابتة، والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت