وقد ذكرت له رضي الله عنه ذات يوم أن بعض الصالحين كان يذكر مع جماعة من أصحابه، ثم إن بعضهم تبدل لونه وتغير حاله وبدل جلسته، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال:) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ (، يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم حضرهم في تلك الساعة، وأنه شاهد ذلك.
فقلت للشيخ رضي الله عنه: هل هذه المشاهدة التي وقعت لهذا الرجل مشاهدة فتح أو مشاهدة فكر؟
فقال: مشاهدة فكر لا مشاهدة فتح. ومشاهدة الفكر وإن كانت دون مشاهدة الفتح إلا أنها لا تقع إلا لأهل الإيمان الخالص، والمحبة الصافية، والنية الصادقة.
وبالجملة فهي لا تقع إلا لمن كمل تعلقه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكم من واحد تقع له هذه المشاهدة فيظنها مشاهدة فتح وإنما هي مشاهدة فكر. وهذا القسم الذي تقع له هذه المشاهدة وهو غير مفتوح عليه إذا قيس مع عامة المؤمنين كانوا بالنسبة إليه كالعدم، ويكون إيمانهم بالنسبة إلى إيمانه كلا شيء، والله تعالى أعلم.
قلت: ومما يؤيد المشاهدة الفكرية وأنها تقع لغير المفتوح عليه، كونها تقع لمن كملت محبته في شخص وإن كان غير النبي صلى الله عليه وسلم.
ولقد أخبرني بعض الجزارين أنه مات له ولد كان يحبه كثيرا، وأنه لم يزل شخصه في فكره حتى أن عقله وجوارحه كلها معه، فكان هذا دأبه ليلا ونهارا، إلى أن خرج ذات يوم إلى باب الفتوح أحد أبواب فاس حرسها الله لشراء الغنم على عادة الجزارين، فجال فكره في أمر ولده الميت، فبينما هو يجول فكره إذ رآه عيانا وهو قادم إليه حتى وقف إلى جنبه. قال: فكلمته وقلت له: يا ولدي خذ هذه الشاة لشاة اشتراها حتى أشتري أخرى. وقد حصلت لي غيبة قليلة عن حسي، فلما سمعني من كان قريبا أتكلم مع الولد قالوا: مع من تتكلم أنت؟ فلما كلموني رجعت إلى حسي وغاب الولد عن بصري، فلا يدري ما حصل في باطني من الوجد عليه إلا الله تبارك وتعالى.