الصفحة 493 من 761

فقال رضي الله عنه: لأن الأسرار والمعارف ونحوها كلها من الله تعالى، وكل واحد يحب الله تعالى، فإلى الآن ما أحب شيخه، وإنما تتحقق محبته للشيخ إذا أحبه لخصوص ذاته لا لما قام بها من الأسرار.

فقلت: وكذا ذات الشيخ هي من الله تعالى وكل شيء منه، فلم نفعت محبة البعض دون البعض؟

فقال: صدقت، وغرضنا بمحبة الذات الكناية عن كون المحبة خالصة لله تعالى، لأن الذات بمجردها لا يتصور منها نفع ولا غيره، فإذا توجهت المحبة نحوها، كان ذلك علامة على الخلوص من الشوائب.

فقلت: إن الناس لا بد لهم من أغراض وإرادات، فمن حرث بقصد القصيل الحاصل له منه فيُحِبّ الحرث للقصيل لا لذاته.

فقال رضي الله عنه: نعم، ولكنه إذا نوى القصيل وقصده في أول الأمر ثم شغل فكره بغيره بحيث إنه لا يبقى له على بال، فهذا يحصل له القصيل الكثير وتجيئه الإصابة العظيمة. وأما إن شغل فكره بهذا القصيل ليله ونهاره، وجعل يفكر ويقدر كيف يكون وما يفعل به إذا كان، فهذا لا يحصل له قصيل، بل يركبه الوسواس قبل أن يحصل له القصيل، فلا يزال يقول في نفسه هل أدرك هذا القصيل، ولعل الآفة الفلانية تأتي عليه، أو يغير عليه بنو فلان، ونحو هذا من الوسواس، بخلاف الأول فإنه مستريح الفكر في أمر القصيل وفي أمر الوسواس. فهكذا حال من أحب الشيخ لذاته، ومن أحبه لعلة.

وكنت أتكلم معه ذات يوم ونحن في جزاء ابن عامر بمحروسة فاس أمنها الله تعالى، فقال لي: إن سيدي منصورا في رأس الدرب، أتحب أن تلتقي معه وتعرفه؟ فقلت: يا سيدي نعم حبا وكرامة، وكيف لا أحب أن ألتقي مع القطب؟ فقال لي رضي الله عنه: أما أنا فلو قدرنا أن أباك وأمك ولدا من يماثلك في شكلك وصفتك وعلمك وجميع ما عليه ذاتك باطنا وظاهرا عدد مائة، ما نظرت إلى واحد منهم، أنت حظي وقسمتي، وهم عندي كسائر الناس.

فاستيقظت من غفلتي، وانتبهت من نومتي، وعلمت أني ما جئت بشيء، فإن المحبة لا تقبل الشركة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت