الصفحة 496 من 761

وكنت ذات يوم معه بقرب باب الحديد أحد أبواب فاس حرسها الله تعالى، ومعنا بعض الناس وكان يخدم الشيخ كثيرا ويتسخر له في كل ما يعن ويعرض، حتى إنه لا يبلغه في ذلك أحد من أصحابه رضي الله عنه، فقال له الشيخ رضي الله عنه: أتحبني يا فلان لله عز وجل؟ فقال: نعم يا سيدي، محبة خالصة لوجه الله الكريم لا رياء ولا سمعة. فغيرني ذلك حين سمعته. فقال له الشيخ: أفرأيت إن سمعت أني سلبت وزالت الأسرار التي في ذاتي، أتبقى على محبتك؟ قال: نعم. فقال الشيخ: فإن قالوا لك أني رجعت طراحا أو زبالا أو نحو ذلك، أتبقى على محبتك؟ قال: نعم يا سيدي. قال الشيخ: فإن قالوا لك أني رجعت عاصيا أرتكب المخالفات ولا أبالي، أتبقى على محبتك؟ قال: نعم. قال الشيخ: وإن مرت عليّ وأنا على ذلك سنة ثم سنة ثم سنة، إلى أن عد عشرين سنة. قال: نعم، ولا يدخلني شك ولا ارتياب. فقلت للرجل: ويحك، إن هذا أمر لا تطيقه. فقال له الشيخ: إني سأختبرك. فقلت للرجل: ويحك هذا أول الخوف عليك، وكيف يطيق الأعمى أن يختبره البصير، فاطلب من الشيخ العفو والعافية واعترف له بالعجز والتقصير وأنا معك في ذلك. ثم تضرعنا إليه جميعا في الإقالة والعفو، فسبق ما سبق، إلى أن اختبره بأمر فيه صلاحه فلم يظهر له وجهه فلم يطقه، فتبدلت نيته في الشيخ رضي الله عنه.

قلت: وسر الله لا يطيقه إلا من كان فخاره صحيحا، بأن يكون صحيح الجزم، نافذ العزم، ماضي الإعتقاد، لا يصغي لأحد من العباد، قد صلى على من عدا شيخه صلاته على الجنازة.

ولنثبت في هذا الباب حكايات ليعتبر بها من أراد صلاح نفسه، بعد تقديم كلام سمعته من الشيخ رضي الله عنه وهو كالمقدمة للحكايات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت