فهرس الكتاب
وسمعته رضي الله عنه يقول: كنت قبل أن يفتح عليّ أشاهد صورة هائلة سوداء طويلة جدا على صورة جمل، وقع لي هذا مرة واحد. فلما فتح عليَّ وشاهدت من عوالم ربي ما قدر لي، فتشت عن عالم الصورة الهائلة وطلبت جنسها في أي موضع هو فما رأيت له خبرا، فسألت سيدي محمد بن عبد الكريم رضي الله عنه عن ذلك، فأخبرني أنه لا وجود لجنس تلك الصورة أصلا. فقلت له: وأي شيء شاهدت؟ فقال: ذلك من فعل الروح، أعني روح ذاتك. فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال: إن الذات إذا جعلت الشيء بين عينيها وجزمت به ساعفتها الروح في إيجاد الصورة التي جزمت بها وجعلت تخاف منها، فتساعفها الروح في إيجادها ولو كان فيها ضرر الذات. قال: وجزم الذات لا يقوم له شيء لا في جانب الخير ولا في جانب الشر.
قال سيدي محمد بن عبد الكريم: وكنت قبل الفتح مررت بموضع فعرض لي بحر في الطريق لا يقطع إلا بالسفن، وهو من البحار التي على وجه الأرض، فحصل لي في الذات جزم عظيم بأني أمشي عليه ولا أغرق ولا يصيبني شيء. قال: فوضعت رجلي على ظهر الماء والجزم يتزايد، فلم أزل أمشي فوقه حتى قطعته للساحل الآخر. فلما رجعت مرة أخرى وزال الجزم من ذاتي وجعلت أشك في المشي عليه، فأدليت رجلي لأختبر فغرقت في الماء فأخرجتها وعلمت أني لا أطيق مشيا عليه.
قال الشيخ رضي الله عنه: وما دامت الذات جازمة بالشيء فإن الشيطان لا يقربها، وإنما يقربها إذا ذهب الجزم عنها، وهو يعلم بذهابه لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا رآه ذهب أقبل عليها بالوساوس حتى يفوتها الخير.
قال رضي الله عنه: فالجزم مثل سور المدينة الحصين، فمتى كان للمدينة سور فلا يطمع فيها العدو، ومتى حصل في السور خلل وظهرت فيه أبواب وفرج بادر العدو للدخول. فعيب الشيطان ووسوسته تابع لعيب سور الذات الذي هو الجزم. فليبادر كل عاقل لصلاح سور ذاته حتى لا يقربه شيطان ولا يستفزه إنسان.